فهرس الكتاب

الصفحة 2182 من 5287

مهما عظمت. ولن يثبت إخلاص المرء، ولن يقوم الدليل على صفاء جوهره وكرم معدنه البشري، وامتثال أوامر ربه الذي يملكه ويملك ما يملكه طول الحياة التي لا نهاية لها، إلا إذا ضحى في سبيل الله بما يملكه قال تعالى: ?أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ? [المؤنون: 115] وقوله: ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ? [آل عمران: 142] وقوله تعالى: ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ? [البقرة: 214] وقوله: ?أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ? [العنكبوت: 2 - 3] إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن الله سبحانه يبتلي مكنونات عباده ليطلع من شاء من خلقه على أسرار مخبآت نفوسهم ويقوم ما أعوج من طبائع العباد ببطولة أولئك الأبرار وروح تضحياتهم التي تضرب المثل الأقوم للسمو والعبقرية البشرية وما جبلت عليه من كرم ونبل، مما جعلها تتحدى أكبر خطر، وتهزأ بأنواع القتل والتعذيب في سبيل إسعاد البشرية وإنقاذها من شتى الكروب والزيغ والضلال، والسير بها إلى أرفع مقام وأسمى منزل، والسبب في ذلك هو الإيمان الكامل بالله واتباع سبيله، الذي ما زال يأمر به عباده منذ الخلق، ويرسل به الرسل والأنبياء، ذلك الإيمان الذي يشرق على ليل الباطل فيبدده ويثور بالظلم والعثو وجميع أدران الإنسان فيزلزلها ويجعلها رمادا تذروه الرياح. إن الإيمان بالله هو الذي يضمد كلوم البشرية فيشفيها ويستأصل منها كل داء. وأولئك المِؤمنون هم الذين يهبون لإغاثة البشرية ما بين حين وآخر ليحطموا أغلالها ويرسلوها من قيودها لتنتعش، وترد حياض الحرية، وتعود إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها وتنجو من العسف والاستبداد الذي يفرضه عليها الطغاة المستبدون بغية الوصول إلى مطامعهم وأهدافهم الشخصية ومراميهم الشهوانية.

ولست أدري أين غاب وكيف غاب هذا العنصر الطاهر من جنود الله المؤمنين؟ إذ لو وجد هذا الضرب من البشر في عصرنا هذا ما سمحت لهم نفوسهم أن يروا الإنسانية معذبة تئن بأنواع من الويلات وضروب من الكوارث والفساد. والأمن في الأرض على شفا جرف هار مهدد في كل حين من قبل الماديين الطغاة الذين لم يجدوا من يراقبهم ولا من يردعهم فصاروا كالذئاب الجائعة المستأسدة تعيث في الأرض فسادا، تفتك تارة بهذه الأمة وتحيك المكائد وتمد الحبائل مرة أخرى لتلك. فأين جنود الله المصلحون المحيون السنن النبوية والقائمون بروح التضحية في غابر الأعصار، وسالف الأمم؟ أدعاهم الله إليه ومنعهم النزول إلى الأرض لقضاء قضاه في الأزل بتعذيب هذا الجيل لعصيانه وبغيه؟ أم يمهل الناس إلى أجل محدود في الكتاب؟

وقد كان المفروض أن يهب المسلمون للقيام بهذه المسؤولية، إذ هم جنود الله المكلفون بذلك، والمأمورون به، ولمثله خلقوا وبه خوطبوا في القرآن بقوله تعالى: ?كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ? [آل عمران: 110] وقوله: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا? [البقرة: 143] . ولكن المسلمين جهلوا واجبهم وضعفوا في إيمانهم، وأخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. وليس لهم من المسؤولية مناص مهما تهربوا منها، ولن ينفعهم إلا أن يعودوا ويراجعوا خطاهم، ويستغفروا من ذنبهم، ثم يقوموا بالواجب المقدس تاركين الدعة والخمول، متمسكين عاملين بما يدعوهم إليه القرءان من نبل وبطولة واستعداد، ورشد وإرشاد، وإلا فهم مهددون من قبل الله تعالى بقوله: ?قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ? [التوبة: 24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت