فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص25

للأستاذ: عبد الوهاب بن منصور

قل من المثقفين من لا يحس بعسر الكتابة العربية وغموض بعض أحكامها وتعدد الوجوه في كتابة بعض أحرفها، وأكثرهم إحساسا بذلك من ألموا بشيء من الثقافة الغربية، أو تعاطوا حرفة التدريس، أما الأولون فلأنهم يشعرون بالفرق بين الكتابة بالأحرف اللاتينية وبين الكتابة بالأحرف العربية، وأما الآخرون فلما يعترضهم من عقبات وهم يلقنون القواعد الكتابية للعقول الفتية الطاهرة، أو يواجههم من هلهلة نسج بعض أحكامها التي ليست من المنطق في شيء.

وقد يثير هذا القول ثائرة بعض الغير على اللغة العربية أو يهيج هائجة المتزمتين، وإلى هؤلاء وأولئك أوجه هذا السؤال:

ما المقصود من الكتابة؟ يراد منها أن تدل على كلمات كما تخرج من الفم وتسمعها الأذن من غير التباس؟ أم يراد منها الدلالة على القواعد النحوية والصرفية للغة المكتوبة؟

ولا أظن أننا نختلف في الجواب، إلا أن تكون أدمغة بعضنا مطبوعة على التعقيد، مولعة بفك الألغاز والمعميات، كما يعشق بعض الشعراء والكتاب كل حوشي من اللفظ غريب.

فالحروف لم توضع في يوم من الأيام لتدل على قاعدة أو تعبر عن مسطرة، وإنما وضعت لتقوم في الأذهان مقام النبرات الصوتية في الآذان.

وفي الأول وضعوا بعض الرموز ليشار بها إلى بعض الأجسام أو المعاني، ثم تطور الفكر البشري فعدل عن هذه الطريقة التي تستدعي أن يكون لكل جسم ومعنى رمزه الخاص، ومال إلى طريقة أخرى أكثر من الأولى يسرا وأدنى منها منالا، فاخترع حروفا للتعبير عن النبرات الصوتية التي لا تتجاوز الثلاثين، وأخذ يكتب بها جميع ما تقع عليه العين أو يدركه العقل كما اخترع بعد ذلك الأرقام العشرة التي تكتب بها ملايير الأعداد وتجري بها مختلف العمليات الحسابية، ومن المعروف بالبديهة أن الكتابة اجتازت مراحل تطورت فيها من عسر إلى يسر، ومن غموض إلى وضوح، ومن تعقيد إلى تبسيط، حتى وصلت إلى مرحلة لا نقول إنها نهاية الوضوح واليسر والتبسيط، ولكنها تكاد تكون إياها لكثرة ما تناولها العلماء بالإقامة والتعديل.

ولا يستثنى من ذلك -مع الأسف- إلا بعض الكتابات الشرقية التي منها الكتابة العربية، فإنها لبثت جامدة مقيدة كما كانت منذ قرون طويلة لا تنطلق ولا تميع.

وأحسب أن بعض العقول المتحجرة حسبتها مقدسة قداسة الذكر الحكيم، أو نزل بها من السماء ملك كريم.

والواقع أنها ليست كذلك، فهي لا تعدو أن تكون من اختراعات البشر واصطلاحاتهم كباقي الكتابات، وكون القرآن كتب بها لا يمنعها من التطور إلى الأحسن بدخول التعديلات عليها، وما كان لهذا التطور أن يمس في شيء كلام الله الذي تعهد له بالحفظ، كما لم يمس إصلاح الكتابة بالأحرف اللاتينية ما كتب بها من توراة وإنجيل.

ففي طليعة المصاعب التي تواجهها الكتابة العربية مسألة الشكل الذي ليس من جنس حروفها، ولعلنا نجد الحل لهذه المسألة إذ التزم الكاتبون باليد الشكل فيما يكتبون وأقبل الطباعون على استعمال الآلة الطباعية المبسطة التي اخترعها عالم مغربي منذ أمد يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت