فهرس الكتاب

الصفحة 4356 من 5287

دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 ص14

الدين في معركة التغريب والتبعية الثقافية

للأستاذ: أنور الجندي

لم يتعرض فرع من فروع الفكر العربي لغزو الثقافي كما تعرض (الدين) ذلك لان الدين كان ولا يزال ففي العالم العربي وفي الشرق دعامة هامة من دعامات الثقافة ومقوما من مقومات الأمة العربية الإسلامية، وعنصرا حيا ايجابيا غير منفصل من عناصر السياسة والاجتماع والاقتصاد.

ولقد كان الاستعمار يعرف خطر (الدين) وأثره في الحياة العربية ومدى أثره في الإيمان بالحرية ومقاومة الغاصب وإنماء القوة وحراسة الثغور، ولما كانت هذه العوالم من اخطر الأخطار على بقاء الاستعمار فقد كانت خطته في القضاء على مصدر هذه القوة: وهو الدين والغة والتاريخ، وكان الدين أهمها وقد خطته في مقاومة الدين على نحو دقيق خفي يسري في معالم الفكر والحياة سريانا بطيئا حاسما في المفاهيم المختلفة.

وقد امتدت هذه الخطة فشملت الثقافة والصحافة والتعليم والترجمة والبعثات الأجنبية ومفاهيم الاجتماع وتحيري المرأة، من اجل هذا انطلقت دعوات الاستشراف والتبشير، وظهرت مجموعات من دعاة التغريب، ولما كان دين الغالبية في العالم العربي هو الإسلام، فقد كانت الحملة كلها قد ركزت عليه باعتباره مصدر الثقافة والفكر والتراث المشترك.

ولقد استهدف الغزو الثقافي إلى محاربة الإسلام القضاء على روحه القوية في مجال الحياة والفكر حتى تنطوي قوته وفعاليته في مجال مقاومة الاستعمار.

وكان التعصب الديني واضحا في هذه الحرب التي صدرت عن حقد بالغ وخصومة عنيفة ولم تصطنع في أي جانب من جوانبها «المنهج العلمي» الذي ابتدعه الغرب وأقام على أساسه أبحاثه ونتائجه.

وكان ابرز الأخطاء التي طبقها الغرب في الحديث عن (الإسلام) انه لم يحاول أن يفرق بين المسيحية والإسلام في مفاهيمها ومقوماتها، ولذلك حمل في الحرب على الإسلام نفس المعاول التي حملها في محاربة المسيحية إبان عصر النهضة بغية إقصائها عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعدان تبين للغرب جمودها وعجزها عن مسايرة التطور، وبعد أن نفذت أساليب الكنيسة وظهرت أخطاء رجال الدين في تسلطهم واستبدادهم وجمودهم ووقوفهم في وجه الحرية وغلوهم في التعصب وبعدهم عن التطور.

ولقد كان (الإسلام) مختلفا اشد الاختلاف عن المسيحية في هذه الناحية، فان الإسلام لم يكن دينا فحسبن ولكنه دين ونظام اجتماعي واقتصادي وسياسي كامل، ولقد كان الإسلام متطورا دائما وقادرا على الاستجابة للحضارة وللزمن وللبيئات المختلفة، وقد دخل هذه التجربة من قبل، ولم يكن للإسلام كهنوت له صفة السيطرة والتحكم في الناس والوساطة بينهم وبين الخالق.

ولذلك فان المقارنة بين المسيحية والإسلام من هذه الناحية باطلة، كما أن محاولة إخضاع الإسلام كذين ونظام لما خضعت له المسحية- التي هي دين فحسب- ليس من الحق في شيء، ولكن التعصب وشهوة الحقد الأعمى، والرغبة في القضاء على روح الدين، وتنحية الإسلام عن ثبوته في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية حالت بين دعاة التغريب والغزو الثقافي وبين كشف هذه الحقائق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت