دعوة الحق، س 4، ع6/ مارس 1961 ص58
العلاقات الدبلوماسية المغربية في عهد الدولة العلوية الشريفة
للأستاذ الملازم الأول أحمد أحمد البسيري.
وكما كان الشأن مع دولة فرنسا كان كذلك مع إنجلترا مع تشارل وجامس وجروح الأول، هؤلاء الملوك الثلاثة الثلاثة الذين عاصروا مولاي إسماعيل، وأنشأو معه علاقات ديبلوماسية ترمي غالبا إلى إطلاق سراح الأساري الإنجليزيين الذين كانوا في قبضة يد السلطان، ولنتخذ من ذلك مثلا، أثناء حكم الملك جورج الأول من سنة"1718"إلى سنة 1727"بعث سفارة خاصة إلى ملك المغرب مهمتها التفاوض في قضية الأساري الإنجليز الموجودين بالمغرب، ومن أهم رجال هذه البعثة المؤرخ الشهير المستر - جون وندوس- الذي ألف كتاب"رحلة إلى مكناس محل إقامة إمبراطور فاس والمغرب"."
وعلى الجملة فإن هذه العلاقات تشهد بما توفر للملك ولممثليه في جميع الدول من الذكاء والصبر والمثابرة على العمل، وتمسكهم العظيم بتقاليدهم الديبلوماسية الرفيعة ولاعجب في ذلك فهذا"جون أفلن"الشهير بيومياته خلف لنا وصف الرسل الذين قدموا إلى لندن للمفاوضة مع الملك تشارل فيقول"شاهدت حفلة إستقبال لسفير مراكش وحاشيته ليست بكثير العدد، وقد استقبل في بيت الضيافة بحضور صاحب الجلالة الملك والملكة فتقدم إلى أن صار أمام العرش دون أن يؤدي أي نوع من أنواع الرسميات أو يطأطئ رأسه، وشرع يتكلم واحد الإنجليز المسلمين يترجم، ما يقول، وكانوا جميعا يرتدون الملابس المغربية، وكان السفير جميل الصورة تبدوا عليه الحكمة والدهاء، وكانت هداياهم مكونة من السباع والنعام ورسالتهم حفظ السلام في طنجة".
هذه لمحة وجيزة في شأن العلاقات الديبلوماسية بين مولاي إسماعيل وملوك الدول الإسلامية والأروبية، والدور الذي لعبه في صيانة التعاون القومي، ورفع المغرب إلى المستوى اللائق به، فما زعزعته العراقيل ولاصدته الحوائل، ولكن هذا الصرح العظيم ما لبث لأن أخذ في التداعي والإنهيار بعد وفاته.
وحدث ما لابد أن يحدث من سوء الحال في البلاد التي ذهبت مصالحها هدرا في سبيل مآرب الحاكمين"البخاريين"الذين أصبحوا يتصرفون في أمور الدولة كيفما شاؤوا حتى أنه حدث في فترة لاتتجاوز إثنين وثلاثين سنة بعد موت المولى إسماعيل أن قام هؤلاء الحكام بتولية وعزل أربعة عشر سلطلنا حتى أم مولاي عبد الله تردد على العرش سبع مرات غير انه لم يكن خاضعا للبواخرة ولا لغيرهم فكان بينه وبينهم صراع عنيف أدى في الأخير إلى تغلبه عليهم وأضعافهم.
ويمكن القول بأنه قد ترتب عن تدخل هؤلاء الحكام في المغرب أحداث الفتن والقلاقل في جميع الإنحاء، وذهب ضحية هذه الفتن كثير من الرؤساء المخلصين ورجال الأمة والإدارة والحكم الذين كانوا يملكون الكفاءة الشخصية والمقدرة السياسية، ولما جاء السلطان مولاي محمد بن عبد الله إستطاع بشدته وقوته أن يقضي على البخاريين، وأن يمسك زمام الحكم كما كان في عهد المولى إسماعيل، وأن يحطم أصحاب المصالح والأغراض ممن ليست لهم الكفاءة للاستيلاء على مناصب الدولة، وأن يوجه عنايته
ــــــــــــــ
ملاحظة: نشر القسم الأول من هذا البحث في العدد الرابع من هذه السنة