دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 68
في النقد الأدبي: مجال الأديب
للأستاذ: عبد الواحد بناني.
مهداة إلى الإذاعة الوطنية
وأديب قوم تستحق يمينه
قطع الأنامل، أو لظى الإحراق
في كفه قلم، يمج لعابه
سما، وينفثه على الأوراق
يرد الحقائق، وهي بيض نصع
قديسة، علوية الإشراق
فيردها سودا، على جنباتها
من ظلمة التمويه ألف نطاق
لا يكاد يختلف اثنان اليوم في أهمية الدور الذي تقوم به الإذاعة في الأمة، من حيث توجيهها أفراد وجماعات إلى ما فيه خيرها وسعادتها، مستغلة الروح الجماعية فيها، عاملة على تقويتها وتنشيطها، هادفة من كل هذا وذاك إلى الإبقاء على روح المجتمع قوية، متسامية، متوثبة، ترتاد أبواب المستقبل في ثقة وعزم وعصامية، وسيلتها إلى كل ذلك «حق استقلال» العناصر الثابتة في الأمة: كاللغة والدين والتاريخ وغيرها من مقاومات الأمم، مصطنعة كل ما وصل إليه العلم والفن معا للوصول إلى هذه الغاية عن طريق الإيحاء واللاشعور تارة، والمنطق والاحتجاج والإقناع في الأعم الأغلب.
وتأتي أهمية بل خطورة الدور الذي تقوم به «إذاعتنا الوطنية» من حقيقة أخرى مضافة إلى كل الحقائق المذكورة، هذه الحقيقة هي أن مجتمعنا المغربي في ظروفه الحالية، ـ لتفشي الأمية فيه، أبنائه ـ يقبل على الاستماع إلى الإذاعة إقبال الضنين بها المتعطش لها، لأنها وسيلته الوحيدة وطريقة المفردة إلى إشباع غريزة «حب الاستطلاع» المركبة فيه، فإن وجد في «إذاعته الوطنية» ضالته وغايته سعد واطمأن، وإلا كان له غيرها من «الإذاعات غير الوطنية» ـ وما أكثرها ـ غناء أي غناء، وعندها تخسر الدولة كثيرا وكثيرا جدا، إذ يصبح أكبر جهاز للدعاية غير ذي جدوى، وينطبق عليه قول شاعر العربية «أبي المعري» في شعر أين هانئ الأندلسي: (ما أشبهه إلا برحي ... تطحن قرونا) .
لهذه الاعتبارات جميعا، كان ترحيبنا واحتفاؤنا وتفاؤلنا بالبرنامج الجديد «مجال الأديب» لا يدانيه أو يساويه إلا ترحيبنا وتفاؤلنا بكل ظاهرة جديدة في مجتمعنا العزيز تدفعه نحو القوة والنضج والاكتمال ..
ذلك أن الأدب «فن جميل، وظيفته التعبير عن الحياة والتجارب الإنسانية بألفاظ موحية» .
فالحياة بكل ما فيها من صراع بين قوى الخير والشر، والعلم والجهل، الظلام والنور، التقدمية والرجعية، الحرية والعبودية .. مادة ثرة للأدب، يجد فيها على الدوام ما يمنحه الحياة والقوة والنماء.
والتجارب الإنسانية كلها ... مشاعر الإنسان، إحساساته، انفعالاته، أخيلته .. مرآة الأديب التي تعكس له نفسه ـ بل الحياة والناس ـ فإذا بها آية من آيات الفن، تأخذك بما تنطوي عليه من جمال التصوير، وروعة التعبير، وقوة التأثير.
وليس للأديب الفنان من هدف يحيي لتحقيقه سوى أن يعبر عن إحساسه أولا، ثم أن يشرك الناس معه في هذا الإحساس. فالحاجة إلى التعبير إذن وإلى التأثير هي قوام الأدب، وعليها مداره.