فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لكن يجب أن نواصل هذه الحياة ونتباهى بها ونبتسم فيها للأوغاد، والمكرة، لعلهم يخلون سبيلنا، فان مواصلة الحياة على هذا الشكل أمر يسير ...
وبعد أني لا أنتظر شيئا هاما من جهتك لأن المسافة بيننا شاسعة، وكل ما أتمناه أن تتاح لنا فرصة للحديث، وحتى لو أتيح لي أن أطير لمقابلتك في باريس فإنني سأعود أكثر تمزقا سألمس انك هناك محتاج إلي قدر احتياجي إليك. لكن ما أغبطك عليه حقا هو أن لك هناك أصدقاء خلصا يشدون من أزرك، ويرفعون من معنويتك".."
وجاء مولود في النهاية إلى باريس مع المتدربين الذين سيعلمون في المراكز الاجتماعية للتربية، وفي كل مرة كنت أسافر إلى الجزائر وأقابله كنت أجده أكثر اضطرابا. وفي شهر دجنبر المنصرم عادني رفقة صديقنا الشهيد ولد أوديا في الليلة التي كانا يعتزمان فيها الرجوع إلى الجزائر، وبعد أن انتهى الاجتماع القصير بيننا رافقت مولود إلى الفندق الذي ينزل فيه، واني مازلت اذكر تلك الليلة الممطرة عندما تركته أمام باب الفندق فرفع يده إلي مودع أو كان وداعا حقيقيا. اني الجزم أن شعوره الباطني كان يوحي إليه بذلك ...
أخذت الحوادث تتوالى أمام عيني مولود في الأيام الأخيرة، فكان عليه بادئ ذي بدء ان يرحل من المنزل الذي كان يسكنه في حي"البيار"اذ كان الجزائري الوحيد بين الأوربيين، وقد تلقى ذات يوم أمرا بإخلاء مسكنه في أربع وعشرين ساعة وإلا قتل، فأعطته الإدارة التي يعمل بها مسكنا جديدا اشترته حديثا لاجعله ملحقا للمدرسة ...
وفي شهر فبراير أخبرته بعزمي على القيام بجولة في إفريقيا السوداء لإلقاء محاضرات أدبية فكتب إلي يقول:
"ليس في هذا الجو الذي يعيش فيه أي جديد، فرغم أنني أقيم في مسكن مترف فان كل ما يحيط بي مسمم، ان كل شيء موضوع فوق فوهة بركان، واني لانتظر مع المنتظرين لقد عدت بالأمس من مدينة بوجي"Bougie""حيث كنت أتفقد التعاونيات التابعة للمراكز الاجتماعية ورغم جمال البلاد فان كابوسا ثقيلا لم أعرفه من قبل قد جعلني اختصر رحلتي إلى يومين اثنين"..."
وفي أواخر شهر فبراير السالف كاد مولود أن يقتل في هجوم خاطف لولا انه فر واحتمى في محل تجاري لبيع الأحذية، لقد أخبرتني بهذه الحادثة إحدى بناته، أما هو فكان مريضا مرهق الأعصاب لا يقوى على الكتابة، وكان قد أصر على عدم الخروج من منزله لكن الموت ساقه إلى أجله المقدر، ففي 15 مارس غادر مولود داره إلى حي"البيار"حيث كان الموت على موعد معه ...
وفي هذا التاريخ نفسه الذي دارت فيه المجزرة الرهيبة فقدت -علاوة على مولود فرعون- صديقا عزيزا آخر هو ولد أوديا- وآخر مرة رأيت فيها أوديا"كانت حينما عاد إلى باريس لإجراء تدريب، وشعرت أنه بدوره كان يحس بمصيره المؤلم، ولشد ما نصحته بتأخير رجوعه ولكنه أبى أن يتخلف عن أصدقائه ..."
وفي نهاية فبراير الأخير -وكنت في ساحل العاج- تلقيت رسالة مؤثرة من ولد أوديا قال فيها:"أي جو هذا الذي نعيش فيه نحن! إني لست قادرا على وصفه لكنها آنذاك أعمل وسط الريبة والقلق والأسى فأشعر وكأنني أسير في حلم، أن الموت يرقبنا من كل جهة، ولكن التخلي عن الواجب مع ذلك أمر عسير"...
لقد كان ولد أوديا مثل مولودة فرعون ومثل باقي أصدقائه إنسانا مرموقا ومربيا ممتازا يتوفر على خلق رفيع ...
والآن ... يجب أن نعلم جيدا أن الأسلحة التي سددت إلى صدور هؤلاء الشهداء العادلين، ستظل إلى الأبد مسددة إلينا نحن، لا إلى حياتنا فحسب بل إلى ما هو الثمن من الحياة ...