فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص7

فقال: إن الفلاسفة الغربيين انقسموا فريقين، ففريق يذهب مذهبك، ولكن أداه هذا إلى أن وقع فيما فر منه، فلم ينشب أن التزم ديانة منظمة، جعلوا لها أعمالا جديدة، فإذا بهم وقعوا في مثل ما وقع فيه أصحاب الأديان، وفريق آخر هم العلمانيون ذهبوا المذهب الذي ذكرت ءانفا، ويكرهون البحث كثيرا فيما وراء ما صح عندهم، وأنا منهم.

فقلت: إن العاقل يبني أموره على عقله، ولا يقبل أن يتحكم في عقله آخر، فيكون أسير التقليد، فإنك إن أبيت البحث في الموضوع ما عدوت أن تركت تقليدا تأنف منه بين أهل الأديان القديمة إلى تقليد جديد وقعت منه في مثل ما فررت منه، أوليس الأمر هكذا؟ أنصف وقل الحقيقة، فإنه يجب عليك أن تنتبه كل الانتباه إلى درس الموضوع حق الدراسة، فقد قال شارل دينكس الملك:

(إن الانتباه هو المزية النافعة الأمينة الأكيدة في كل درس وكل مسعى، ويمكنني أن أؤكد لكم بتمام الثقة، أن قوتي المخترعة أو التصورية لم تكن لتفيدني كما فعلت، لولا عادة الانتباه اليومي للأمور المبتذلة بكد وصبر) .

إذا كان هذا الرجل الغربي يحب الانتباه اليومي للأمور المبتذلة، فكيف بمثل هذا الذي قامت له الفلسفة وقعدت، وحاولت ما حاولت إثبات ما تقوله الأديان أو نسفه من أساسه، فهي مسألة عظيمة جدا، لا يستصغر البحث التام فيها أمثالك من الدكاترة المثقفين العبقريين، وماذا يضيرك لو أمعنت كل الإمعان ودرست الموضوع حق الدرس، حتى تخلص إلى حقيقة تؤسس عليها حياتك المستقبلية، ثم إن تخلص لك بعد الدراسة أن فريق العلمانيين هو الصادق المؤيد مذهبه بالعقل، فإنك لا تزداد بهذا البحث إلا إيقانا لما أنت عليه اليوم، وإن ظهر لك أن الفريق الآخر هو الذي معه الحق، فهل تعدم من الشجاعة ما تعلن به بين الملأ الحق الذي وصلت إليه؟ ولا يضيرك أن يقال عنك إنك تبعت أهل الأديان أخيرا، فقد قيل في الأمثال العربية: لأن تكون ذنبا في الحق أولى من أن تكون رأسا في الباطل، على أنك لم تكن قط - كما صرحت به ءانفا- إلا ذنبا مقلدا للعلمانيين).

فقال: واها لك يا فلان، فإنك والله حركت مني ساكنا ولا أدري كيف تأثرت بكل ما تقول، فقد أحسست من باطني باعثا قويا لتتبع دراسة الموضوع دراسة ممعنة، ولكن سأؤجل هذا إلى أن أجد فراغا في الوقت من أعمالي.

فقلت: أتريد أن أعلمك بمنبع ما تأثرت به مني؟ إن هو يا أخي إلا منبع الحق الذي يتفجر لك من بين جنبيك، فاغتنم الوقت، وابدأ في الدراسة من الآن واتبع شكسبير فيما يقول:

(انقبض على الدقيقة الحاضرة من مقدم رأسها) وماريا ادجورت إذ تقول: (ما من وقت مثل الزمان الحاضر، وما من وقوة أو عزيمة إلا في الحاضر، فمن لا يتمم منوياته حين لا تزال لديه جديدة نضيرة فلا أمل له في إتمامها فيما بعد، فإنها لا تلبث أن تتشتت وتضيع بين ضوضاء العالم وازدحامه، أو تغرق في حماة الكسل) .

فقال: إنني مدين لهؤلاء الغربيين بمعارفي التي نلت بها الدكتوراة، فلأعلن شكري لهم اليوم باتباع مقالاتهم في اغتنام الحاضر، فسأفتتح دراسة ذلك بإمعان التفكير منذ الآن، لعلني أتملص من التقليد الذي غمزتني به.

فقلت: إذن ادرس وحدك، واجعل نصب عينيك أن تصل إلى عين الحقيقة، هل تلك القوة الخفية التي تدير العالم عاملة بحكمة وعقل وإرادة، أو إنما الأفعال منها تجيء مصادفة فقط؟ فإنك إن توصلت إلى أنها عاملة بحكمة وعقل وإرادة مطلقة من أي ضغط -وأنا لا أرتاب في أنك متوصل إلى ذلك لما أوتيت من الحصافة والفكر الثاقب والعبقرية والاستقامة- يوافق اعتقادك اعتقاد الفلاسفة الغربيين الذين ذكرت أنهم اتخذوا لهم ديانة تشبه الديانات القديمة. والآن أودعك، فقد قاربت الساعة الرابعة التي واعدت فيها أخاك السيد سعيدا على السفر معه، وموعدنا في ضيافة أخيك إبراهيم حيث ينعقد مجمع الأسرة في الزمن القريب.

فقال: إنني كنت أستعد لمناظرة أخي السيد العربي الخرافي ببراهين جمعتها منذ أيام، إلا أنني أحس بها ستنهار إن أداني درسي في ذلك الموضوع إلى ما تنبأت به سلفا.

فقلت: استفرغ جهدك في كل شيء للمناظرة مع أخيك، فربما يتراءى لي أنني متفق معك في أمور لا بد أن تؤدي إليها المناظرة، فأكون في صفك، لا إعانة لك ولا حبا في سواد عيونك، بل إحقاقا للحق، وتشييدا للاعتقاد الصحيح كما أعتقده، إلا أنني أنبهك - وسامحني أيها الأخ- على مراعاة شيبة أخيك، وأن تبرهن بأن أدبك في سمو عال، فلا تجبهه بما يجرح عاطفته، ولا ما يمس شعوره، وارع له حق الأخوة والتربية السالفة، فإن العظيم لا يكون عظيما حتى يعم كل الناس بأخلاقه، سواء أوداءه وأعداءه، وقد قال فلان الأروبي: (إذا كنت لا أقدر أن أخاطب مزاحمي في الانتخاب بالأدب الذي أخاطب به من انتخبوني، فقد حكمت بأن جهود من هذبوني ذهبت سدى) .

ثم ودعته وأنا أرجو أن ينقذه الله مما فيه بفضله ورحمته، وإخالني استعملت ما أطقت الحكمة معه في كل تصرفاتي، فلم أجاذبه في كل ما أراه منه، بل أظهر له الموافقة، حتى إذا وجدت بابا ألج منه إليه فعلت، ثم حرصت على أن أسوق له ما أحتاج إليه من براهين وأدلة عن الغربيين لا الشرقيين، وما فعلت ذلك إلا أتباعا لقول علي بن أبي طالب: حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ على أن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها. [يتبع]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت