فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص6

فقلت: فاسمع إذن ما قال كارليل: (إن العبقرية هي الحذاقة الغير المحدودة في تحمل المشاق) ، أترى نفسك في هذا المقام ثم لا تقدر أن تستغل فرصة سانحة فتبحث بحثا قد يسير بك إلى الأمام أسرع مما يسير القطار، وربما ترقى بك إلى أفق لا يطير إليه المنطاد؟ أتسقط بسبب حادثة ممضة، ثم لا تجد منك شجاعة إلى البحث حولها؟ أتقول كلمة إزاء كلمة أخرى وتتخلف كلمتك، ثم لا تقدر أن تقف هنيهة حتى تمعن في سبب تخلفها؟ ما هكذا يظن بك أيها الدكتور العبقري المستقيم. فقال: ها أنذا سأتنازل إسعافا لك على هذا البحث ولكن اطو عني ما أرضعته من تعاليم بيئتك، فإنني لا أحتج إلا بالعقل ولا أقبل منك إلا ذاك.

فقلت: لك كل هذا، فخذ علي ذاك يدي في كل بحث تبحثه معي من اليوم، وقد كنت صرحت لك بذلك ءانفا في مبتدأ اقتراحي عليك هذا البحث، أو نسيت أنني قلت لك: نبحث بكل حرية، محكمين العقل الذي يتمتع به الإنسان، دون كل ما حواليه في السماء والأرض؟

فقال: أتنكر أنني صنعت الأشياء التي أصنعها وأني آتي ما آتي وأترك ما أترك عن مشيئة مني؟

فقلت: لا أنكر ذلك، إنما أنكر شيئين من كلامك، أولهما: أنك قصدت نفي تلك المشيئة أيضا عن قوة يحس بها كل عاقل تسير معه الأمور، وقد تتخلف عنه تلك القوة فلا يستطيع حين تخلفها عنه صنع أي شيء، وثانيهما أنني أنكر أنك تفعل كل شيء هممت بفعله، فقد عزمت اليوم على ما عزمت عليه وقت الغداء فإذا بالغداء وبما نويته قد تخلفا على رغمك، فلماذا يقول العاقل حين يسمع ما قلته من نسبة المشيئة إليك وحدك، وما تظاهرت به من أن كل ما قلته سيتم بالضبط؟ إلا أنك لا تقول بتلك القوة الخفية التي يحس بها كل عاقل.

فقال: إن كنت تقصد ما تسميه الأديان (الله) فإنني لا أومن به، وإن كنت تعني قوة الطبيعة، ككل علماني يؤمن بما يحس به، فإنني أقول بها قولا ثابتا، فما أجل الطبيعة وما أعظم قوتها! فقلت له: إذن سلمت أن تلك القوة الخفية موجودة، وأعلنت أنك تحس بها.

فقال: نعم إنك لو كنت قلت ءانفا، (إن شاءت تلك القوة) لما رددت عليك، وإنما رددت عليك لأنك عبرت بعبارة يتداولها الخرافيون أصحاب الغباوة والبلادة ممن ينقادون إلى المشعوذين من أهل الأديان.

فقلت له: ما دمت تسلم بتأثير تلك القوة، فأحب منك أن تخبرني هل تلك القوة التي جعلت لها تأثيرا لها إرادة وعلم وقدرة أولا؟

فقال: لا، إن الطبيعة صماء، لا توصف بذلك، أولا ترى أن النار قد تسقط في مدينة عامرة فتأتي على الرطب واليابس؟ وأن الأودية قد تسيل سيلانا طافحا فتجرف القرى والمدن بكل ما فيها من الحيوان والمتاع النفيس، فأين موضع التعقل في أمثال هذه الأمور؟ فإنما أفعالها مصادفة، وهذا هو مذهب المدنية الحادثة، وباعتناق هذا المذهب ترقت وازدهرت وتفوقت هذا التفوق العجيب.

فقلت له: إنني أراك قد طلقت التدقيق الذي يتايم دائما العبقرية والاستقامة، وقد ذكرت أنك من المتصفين بها، فكيف تحكم على تلك القوة بأنها غير عاقلة ولا عالمة ولا آتية أفعالها من حكمة؟ أوليس لك إلمام بعلوم المادة؟ فهل تظن أن علماء المادة يعتنقون هذا المذهب بعدما شاهدوا بعلم الكمياء ما بهرهم حين حللوا أجزاء ما تتركب منه الأشياء، فأدركوا أنه إذا زيد جزء من الأكسجين مثلا في هذا الشيء استحال إلى شيء آخر، وإن زيد فيه مقدار من الآزوت أو من الهدروجين -مثلا- انقلب إلى صفة أخرى، حتى أنهم أعلنوا عدد المواد التي تركبت منها الأشياء التي حللوها، وأنها أربع وتسعون، وأنها كلها تتمشى على أوزان مدققة صحيحة، فهل تلك القوة التي صنعت كل هذا وأتقنته غاية الإتقان، تمشي في أفعالها على المصادفة فقط؟ فإن هذا قياس غير مستقيم. وتأمل أيضا أزهار حديقتك هذه وما في ألوانها من التناسب العجيب، هل ترى فيها للمصادفة العمياء من أثر يشهد لمذهبك هذا؟ ثم إن ترقيت إلى النجوم ومسالكها حيث تندفع اندفاعا دائما بحساب مدقق لا ينخرم معشار عشير ثانية، فهل القوة التي رتبت ذلك غير عالمة ولا قادرة ولا لها إرادة تامة؟ بل ما لنا ولكل هذا، فلينظر أحدنا في نفسه نظر إمعان وليتأمل في حواسه، في بصره، وسمعه، وذوقه، وشمه، وفي الدورة الدموية في شرايينه من أخمص القدم إلى قمة الرأس، بل لينظر في طعامه وفي شرابه، فإنه بعد أن يسيغهما ليست له إرادة فيما تقوم به غدد جسمه ولا في الهضم في معدته ولا في تصفية المهضوم، ولا تفرقة ما تصفى إلى الدم يسير في كل أجزاء الجسم في أعصاب دقيقة، وإلى ماء حلو يجده الإنسان ريقا في فمه، وإلى ماء مالح تجول به حدقة عينه، وإلى سوائل أخرى تخالف هذه تكون عرقا ومخاطا وما يكون في المرارة، ثم يصير ما تبقى مما لا فائدة فيه إلى حيث يرميه البدن، فمن الذي يتولى كل هذا في كل حيوان؟ ومن الذي نظم هيأة الحيوان تنظيما تاما من بطن أمه صغيرا، ثم لا يزال به على هذه الوتيرة حتى يشتد ويقوى؟ فإن كانت كل هذه الأفعال وأمثالها موجودة على طريق المصادفة فقط من قوة غير عاقلة ولا عالمة ولا فاعلة عن حكمة، فكيف تكون أفعال العقلاء بعد؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت