يخلق ليستقر في اليد التي سبقت إليه، بل تصير به مسؤولة عن الإسراع بتقديمه إلى غيرها حتى تعم الاستنارة بنوره.
ولم يكد المغاربة الأولون يتعرفون الإسلام حتى أنار بواطنهم، وملك مشاعرهم، وألف بين قلوبهم، وأشعرهم باستقلالهم الحقيقي المحمل بالمسؤوليات الإنسانية، فأصبحوا يعتدون بأنفسهم كأمة طموح مسؤولة عن نفسها وعن غيرها، وإذا استقرأنا فواتح أعمال الدول المغربية العظيمة، وجدناها قد ابتدأت أعمالها كلها بتوحيد صفوفها وترابها تحت راية الإسلام والحرية والدفاع عن الكرامة ثم تأخذ في توسيع ذلك لما حواليها، حتى أدركت الشأو الذي جعلنا اليوم نرفع رأسنا فخرا بحضارة مغربية فكرية ومادية لا يضاهينا فيها إلا من شاركنا في الاستقاء من منبعها الصافي الذي هو الإسلام.
ولعل المغرب لو ترك ونفسه في الماضي ولم تتح له عناية الله أن يتمسك بالإسلام، لما كان له ما نفخر به نحن الآن من أمجاد، أو لظل على الأقل كبعض الشعوب الإفريقية التي ظلت في بدايتها حتى سطا عليها الاستعمار الغربي فسخرها لمصلحته وطبعها بطابعه، وساقها في ركابه فجعلته مثلها الأعلى في كل شيء، في حين أننا نرى أساطينه أندادا لنا في العزة والكرامة، ونرجو مظهرا فوقهم في الحضارة المادية.
ومن الواضح أن الانحلال السياسي الذي تدهورنا فيه ومازلنا نتخبط للتخلص من عقابيله، إنما هو نتيجة حتمية للانحلال الروحي الذي وقع فيه مجتمعنا، فانحل معه استقلال أمسنا، وأن المسلمين الأولين في المغرب وفي غيره لم يستفيدوا من الإسلام كل تلك الفوائد الباهرة التي تمتعوا بها، إلى نتيجة لتساويهم جميعا من كبار وصغار وذكور وإناث في التمسك به وتطبيق شعائره التطبيق العملي، وإلا فإن الخاصة الأفذاذ الذين لا تجرفهم التيارات ولا تطغى عليهم الطفيليات موجودون في وقت، وإنما الحكم للغالب كما يقولون.
وكما تقدم صدر المقال من أن غاية الشعوب من الكفاح هي الإحراز على استقلالها لتتمكن من إجراء شؤونها على النحو الذي يضمن لها الحرية في تحقيق آمالها ومطامحها - فإن المغرب وقد من الله عليه بفرصة الاستقلال، ينبغي أن ينتهزها لجعل الإخلاص الديني العملي في مقدمة المقومات العريقة التي يطمح لاسترجاعها، لأنه ينبوع تلك الأمجاد التي نتغنى بها والتي يزخر بها تاريخنا، وهو الكفيل بربط مستقبل المغرب الزاهر المأمول بماضيه المجيد الحافل، وهو الضمانة القوية لتكوين المواطن الصالح روحيا وماديا لاستئناف السير بالحضارة المغربية من جديد وفي نسق واحد، كي تضم إلى تراثها الروحي الذي لا مضاهي له ثروة عصرية تتحد عن طريقها المبادئ الروحية بالمعارف الطبيعية لتسيرا معا بالبشرية جمعاء إلى ساحل نجاتها.