فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ... ص31

رسله في سنة 1094 إلى البابا اربانوس الثاني، ويجدها هذا فرصة مواتية للتدخل، ولإخضاع الكنيسة الشرقية إلى سلطانه، فيلقى في سنة 1095 خطبته الشهيرة المتقدمة، يستنهض بها باسم الدين، همم الأمم المسيحية الغربية لقطع دابر الكفار والبرابرة!!! وتجد الصرخة آذانا صاغية فتتوالى الحملات على الشرق الإسلامي العربي برا وبحرا من فرنسا واللورين وإيطاليا وصقلية وانجلترا وألمانيا وغيرها، فتسقط تباعا في أيدي الصليبيين سواحل سورية ولبنان وفلسطين وكثير من مدنها الداخلية، ويحتلون بيت المقدس، وتتكون في الشرق إمارات ومستعمرات لاتينية متعددة ويمضي على ابتداء الحملة الصليبية الأولى نحو من اثنين وثلاثين سنة، قبل أن يظهر في شمال سورية أمير سلجوقي وقائد حربي عظيم هو عماد الدين زنكي، الذي استطاع هو وابنه نور الدين محمود من بعده، أن يقفا في وجه الزحف الصليبي، وأن يستردا من الصليبيين بعض المدن السورية.

ويشتد ساعد نور الدين محمود فيطمع في ملك مصر، وعليها اذ ذاك الخليفة العاضد، آخر الخلفاء الفاطميين، وينجح نور الدين في أن يفرض على الخليفة الفاطمي وزيرا سلجوقيا، شابا في الثلاثين من عمره، طموحا في تواضع، يبدو عليه الذكاء، كما يغلب الحياء على مظهره، هذا الشاب المتواضع، أو ذلك الوزير الخطير الطموح، هو الذي سيعرفه التاريخ فيما بعد باسم الناصر لدين الله الأمير يوسف بن أيوب صلاح الدين.

ويموت العاضد آخر الخلفاء الفاطميين بعد سنتين ليخلو الجو لصلاح الدين وحده، وليصبح وحده صاحب الكلمة في مصر، لا يخاف على سلطانه إلا من ولي نعمته نور الدين محمود، وتبدو بوادر من نور الدين تحتم على صلاح الدين الأيوبي أن يفكر جديا في الاحتياط لنفسه ويهديه تفكيره إلى أن عليه أن يفتح بعض البلاد لتكون له معقلا من رئيسه إذا ما حاول المكر به، ويجب أن تكون هذه البلاد المفتوحة، أو هذا المعقل بعيدا جدا، حتى لا تصل إليه يدا نور الدين محمود.

وهكذا فتح صلاح الدين اليمن في جنوب بلاد العرب، وهكذا أيضا أرسل جيشا تحت قيادة ابن أخيه تقي الدين ليفتح له بعض بلاد المغرب.

وهنا يبدأ ما سبق أن ذكرناه من تعليل امتناع يعقوب المنصور عن نجدة صلاح الدين ببعض الخلافات على الحدود.

فنحن نعلم أن الإمبراطورية المغربية على عهد يعقوب المنصور كانت تمتد من البحر المحيط غربا إلى برقة شرقا، أي أن حدودها كانت متاخمة لحدود مصر.

وبالفعل فقد بعث صلاح الدين للمغرب العربي ابن أخيه تقي الدين غازيا، لكن يبدو أن تقي الدين لم يوغل كثيرا في المغرب، وإنما ترك إنجاز هذه المهمة لأحد مواليه وقادته العسكريين شرف الدين قراقوش، الذي وصل في غزوه إلى طرابلس الغرب، ويعرف هذا القائد في التاريخ باسم قراقوش التقوي نسبة إلى تقي الدين بن أخ صلاح الدين الأيوبي، وهو غير بهاء الدين قراقوش وزير صلاح الدين، الذي تعرفه اليوم المسارح المصرية كشخصية هزلية طريفة في سخفها وفي دكتاتوريتها المضحكة.

مهما يكن فقد بدأ الصراع بالفعل بين الدولة الأيوبية والدولة الموحدية، وكلف هذا الصراع الدولة الموحدية غاليا، لأنها لم تكن متفرغة له، بل كانت مشغولة هي أيضا بحروب أخرى صليبية في شمال الأندلس.

وعندما كان يعقوب المنصور على وشك أن يغلب الفونس الثامن ملك قشتالة على طليطلة عاصمة ملكه، ويعيدها إلى الإسلام حملت إليه الأنباء خبر قراقوش وحلفائه من العرب وبني غانية في شرق المغرب.

أما قراقوش فقد عرفنا أمره، وأما حلفاؤه العرب فهم بنو هلال، الذين كان الفاطميون قد رحلوهم إلى الأندلس لأسباب سياسية، وأما بنو غانية فقد كانوا عمالا لدولة المرابطين على جزائر البليار، ميورقة، ومنورقة، ويابسة. وظلوا على ولائهم للمرابطين حتى بعد انقراض دولتهم في المغرب، وقيام دولة الموحدين على أنقاضها، وقد اشتبكوا في معارك دامية مع الموحدين في جزائر البليار نفسها. فلما غلبوا على أمرهم فروا إلى الناحية الشرقية من المغرب العربي، حيث ظلوا يناوئون الموحدين، وحيث تحالفوا من بعد، هم والعرب الهلاليون، وقراقوش التقوي، على حرب يعقوب المنصور والإفساد عليه.

يقول ابن خلدون عند الحديث عن قراقوش التقوي: (وكان من خبره أن صلاح الدين صاحب مصر، بعث تقي الدين ابن أخيه شاه إلى المغرب لافتتاح ما أمكنه من المدن تكون له معقلا يتحصن فيه من مطالبة نور الدين بن زنكي صاحب الشام ... إلى أن يقول: فأما قراقوش فلحق ششرية، وخطب فيها لصلاح الدين ولأخيه تقي الدين، وكتب لهما بفتح زويلة(من أعمال ليبيا) ولم يزل يفتح البلاد إلى أن وصل إلى طرابلس ... ولما وصل ابن غانية إلى طرابلس، ولقي قراقوش، اتفقا على المظاهرة على الموحدين).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت