فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص25

ومع ذلك فقد أصبحت الحماقة أمرا واقعا، وسافر تقي الدين إلى الهند حيث مكث خمسة عشر شهرا، تتلمذ خلالها لأعلام رجال الحديث كالشيخ عبد الرحمن المبارك بوري شارح الترمذي، وقد ذكر الشيخ الهندي تلميذه المغربي في آخر الجزء الرابع من كتابه.

الأستاذ تقي الدين:

في طريق العودة من الهند، مر تقي الدين الهلالي بالبصرة حيث قابل الشيخ محمد أمين الشنجيطي، وكان هذا رفيقا للشيخ أبي شعيب الدكالي في مكة. وفي البصرة اتخذ تقي الدين أسرة لأول مرة، وأسست له مدرسة كان يدرس فيها العربية وعلوم الدين.

في هذه الأثناء كان عبد العزيز بن سعود قد استولى على الحجاز، وبتوصية من الشيخ رشيد رضا سافر تقي الدين إلى مكة، حيث حل ضيفا على عبد العزيز ابن سعود أربعة أشهر، ثم عين مراقبا للمدرسين في المسجد النبوي، ومدرسا في نفس الوقت، وبعد سنتين انتقل إلى المعهد السعودي أستاذا للعربية والتفسير والحديث والتوحيد على طريقة أهل الحديث، لا على طريقة أهل الكلام، على حد تعبير الأستاذ نفسه.

في الهند مرة أخرى:

لم يطب المقام للأستاذ تقي الدين كثيرا في الحجاز، فغادرها إلى الهند مرة أخرى، وكان ذلك بدعوة من (ندوة العلماء) في الهند استدعته للتدريس في كليتها، ولا يزال الدكتور تقي الدين يذكر حتى الآن بعض تلامذته في كلية ندوة العلماء، أن منهم الأستاذ مسعود عالم الندوى مؤلف كتاب الضياء، وعلي أبو الحسن الندوي، والأستاذ محمد ناظم الندوي مدير جامعة (بهاون بول) في باكستان.

الشهادة = جواز السفر:

أدرك الأستاذ تقي الدين أن الأدب والعلم لا يمكن أن ينتفع بهما انتفاعا كاملا في الشرق الإسلامي بدون شهادة من جامعة أوربية، وهو يشبه هذه الشهادة بالنسبة للعالم بجواز السفر بالنسبة للمسافر، فقد تكون رجلا معروفا بالفضل والخلق الكريم والبعد عن كل ما يشينك، لكنك مع ذلك لا تستطيع أن تسافر بدون جواز سفر، إن الأمر كذلك بالنسبة للعالم في الشرق العربي والإسلامي، فالعلم وحده لا يكفي، لا بد من شهادة علمية من جامعة أوربية، لا بد من جواز مرور وبثمانين دينارا فقط، قرر تقي الدين المغامرة مرة أخرى، فسافر إلى جنيف بسويسرا حيث مكث شهرا كاملا في ضيافة المرحوم شكيب أرسلان وكان ذلك في سنة 1936.

كان الطالب المغربي ينوي السفر إلى بريطانيا لإتمام دراسته هناك، وكان الذي يشجعه على ذلك أنه كان قد تعلم اللغة الإنجليزية أثناء مقامه بالهند، لكن الإقامة والدراسة في بريطانيا كانت تتطلب نفقات باهظة لم يكن تقي الدين يتوفر على شيء منها، وأخيرا كتب إلى الأمير عادل أرسلان، وكان هذا الأخير مقيما إذ ذاك ببريطانيا، كتب إليه يسأله:

كم يكلف في بريطانيا القوت الذي يدفع الموت؟ فأجابه الأمير:

-إن القوت الذي يدفع الموت معناه، في هذه البلاد، الموت.

وهكذا أغلق باب بريطانيا في وجه الطالب المغربي، لكن أحد كبار الأساتذة الألمان، وهو الدكتور بريفر، يزور الأمير شكيب، ويعلن له أن في جامعة (بون) بألمانيا منصبا شاغرا لتدريس اللغة العربية، فيرشح الأمير شكيب لهذا المنصب صديقه تقي الدين.

في ألمانيا:

سألت الدكتور تقي الدين عن اللغة التي كان يعلم بها طلابه في ألمانيا، فهل كان هؤلاء الطلبة الألمان في مستوى من المعرفة باللغة العربية يمكنهم من تلقي المحاضرات بها، وأجابني الدكتور تقي الدين، أنه كان يشرح لهم النصوص العربية باللغة الإنجليزية، والطالب الألماني في الجامعة مطلوب منه أن يكون قادرا على تلقي العلم بلغتين على الأقل إلى جانب اللغة الألمانية، وهاتان اللغتان هما غالبا الفرنسية والإنجليزية.

لم يقتصر عمل الأستاذ تقي الدين في ألمانيا على التدريس في الجامعة، بل إنه شرع فورا في تعلم اللغة الألمانية، وقد استطاع أن يتقدم إلى امتحان فيها اجتازه بنجاح، ونال دبلوما في اللغة الألمانية، كما أنه كان في نفس الوقت يشتغل بالمشاركة مع بعض الأساتذة الألمان في نقل بعض الكتب العربية إلى اللغة الألمانية، ككتاب (البلدان) لمحمد بن الفقيه البغدادي المتوفى سنة 300 هجرية، وهو كتاب في الجغرافية العالمية، وكتاب (طيف الخيال) لمحمد بن دانيال الطبيب الموصلي.

وفي ظروف خاصة، انتقل تقي الدين من بون إلى برلين، أستاذا في جامعتها، ومرجعا للغة العربية في الإذاعة. وفي برلين تقدم لنيل الدكتوراه، وكانت رسالته عبارة عن ترجمة كتاب (الجماهر في الجواهر) لأبي الريحان محمد بن أحمد البيروني، مع التعليق عليها، وقبلت الرسالة، ونوقش تقي الدين أمام لجنة من الأساتذة في اللغة السريانية والعبرية والأدب العربي، ونال أخيرا لقب الدكتوراه بدرجة حسن، فكان بذلك أول مغربي يتخرج من جامعة برلين، كما قال له البروفيسور كينل وهو يصافحه مهنئا بالنجاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت