فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 5287

يتعلق بالإسلام فإن الاستعمار قد استعمل نفوذه المادي، وزاده بوسائل أخرى كانت أشد خطورة وأقوى مباشرة.

1)عرف الاستعمار أن العصر الذهبي للعلم الإسلامي قد انمحى ونسى، وأن الجمود قد أوثق الحياة الفكرية في العالم الإسلامي منذ عدة قرون. فاستغل هذا الضعف وحمل على أعدائه المسلمين ليفرقهم.

فنظر إلى من تصلب في الجمود وقال له: أحسنت! اذهب الوراء! فطريقك هي المثلى! ومال إلى الشباب فقال له: انظر إلى هذه الخرافات التي يعتنقها آباؤك والتي ليست من الحق في شيء. فنظر الشباب في الأمر وفكر، فوجد عقله لا يصدق الآباء، ورأى في الإفرنجية بزة ودعة، فتحير هنيهة ثم استسلم إلى التفرنج الصريح. ولم يكن سبب استسلامه إلا جهله التام بالإسلام ومبادئه الرئيسية وبالحضارة الإسلامية.

استسلم الشباب للحضارة المادية فلا يؤمن إلا بها، ولا تطمئن نفسه إلا لما تجده عن طريق «العلم» ويرى أن العقل لا يصدق سوى ما أتى به العلم العصري الذي نلنا اليوم من فضله هذه الحياة الراقية المزدهرة، وعاب على الإسلام كل ما خالف مبادئ الحضارة المادية، فظن أن الإسلام لا يساير العلم، وأن نظامه غير ديمقراطي وأنه منشأ الجمود.

ولو كان المتهم نظر الأشياء في أناة وتؤدة لميز بين الإسلام وبين الخرافات التي ألصقت به، ولعلم أنه هو المثل الأعلى للديمقراطية والعدل.

وسنأخذ لهذا مثلا يمكن أن يرى غريبا، غير أنه يوضح صحة ما نقول: نأخذ مسألة الرق في الإسلام.

يتهم الغبي والمكابر أن الإسلام قد شرع الرق.

والحق أنه قد شرع الحرية، أما الرق فقد كان مثبتا في دين اليهودية. وأقرته المسيحية بعدها. فقد أمر (بولس) العبيد أن يطيعوا سادتهم بخوف ورعدة، وأوصى (بطرس) بمثل ذلك.

وكانت الفلسفة القديمة تؤمن بهذا الرأي وتنحوه، فكان أرسطو يرى أن فريقا من الناس خلق للعبودية، ويرى أفلاطون منع العبيد في «جمهوريته الكاملة» من حقوقهم كمواطنين.

أما الإسلام فلم يبح منه إلا ما هو مباح اليوم في جميع دول العالم. وذلك أن العبودية لا تثبت في الإسلام إلا بعد الشروط التالية:

1)جهاد شرعي لأعداء كلمة الحق

2)أسر وقع عن معركة

3)حكم الإمام بعبودية من سبي (فإنما هم مساجين حرب)

وهذا مما يدلنا على أن جل أو كل العبيد الموجودين اليوم، لا يبيح الشرع ملكهم. فانظر في هذه المسألة مقالا قيما (لأحمد بابا التونبكتي) قد استطرده (الناصري السلاوي) في (الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى)

وقد حارب الإسلام العبودية في شكلها، فأمر الناس أن يطعموا عبيدهم، وأن يكسوهم مما يكسون منه، وأن لا يكلفوهم في العمل مالا يطيقون.

كما حاربها في مضمونها فجعل العتق أكبر الحسنات، ومكفرا لجميع الخطيئات. كالحنث، ومخالفة قسم الظهار، والقتل الخطأ.

وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: 92]

أما كون الإسلام لا يساير العلم فإنه لا يعتقده إلا من «جمد» عن فهم الإسلام، أو «جحد» بسبب جهله لمبادئ هذا الدين وتاريخه.

فأهل «الجمود» يعتقدون خرافات ليست من الدين في شيء، وإنما هي من الخرافات التي أدخلها بعض من يدعى الإسلام من اليهود والفرس والنصارى وصدق بها أهل التقليد المحض.

وأهل «الجحود» جهلوا أن كل هذه الخرافات قد هدمها المسلمون وتبرأوا منها، كما جهلوا أن المسلمين هم الذين أحيوا العلم اليوناني وجددوه بكل دقة وعناية، وساهموا بقدر هام في بناء الحضارة العالمية، فمنهم من اكتشف «الرقاص» ومنهم أول من صنع كرة على مثل الأرض، كما أنهم تمكنوا من تنظيم إمبراطورية من بلاد السند إلى الأندلس، ولم يأتها الإخفاق إلا من تدخل الأتراك الذين بدلوا النظام الذي أسسه مسلمو العرب، فحولوا مجرى التاريخ ومالوا بالأمة عن سواء السبيل، حتى أتى مجددو التفكير ومبينو طريق الإصلاح.

محمد المختار بن اباه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت