فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والتغريد عن البلبل، والخرير عن الغدير، فإذا صح ان تتساءل هذه عن رسالتها عندما ينبعث عنها ما ينبعث، صح كذلك ان يتساءل الاديب عن رسالته في الحياة وهؤلاء ينسون حقيقة بسيطة، وهي أن الأدب فن ارادي، بقدر ما هو قوة طبيعية، فالأديب إنسان يفكر، ويريد، ويضع الخطط، ويرسم البرامج، ويكمل عمل الطبيعة، ويعيد ترتيب عناصرها، ويعطيها منطقا، ويخلع عليها من ذات نفسه ما يعيدها خلقا جديدا، ويلاحظ أن انصار هذه الفكرة، انما هم أولئك الذين استغنوا بالموهبة عن الثقافة، وبضباب الأحلام عن وضح الفكر، ذلك أن القلق الفكري، والنزوع الى التأمل، والالحاح على اسرار الأشياء، إنما هي فيض العقل الواسع، والفكرالممتليء، والثقافة الغنية، وهذا هو السر في كون ارفع الأدباء مقاما هم أولئك المثقفون حقا، المستفيدون من خلاصات العلوم، والوان المعرفة المختلفة.
ونحن الآن نعيش في عصر من مميزاته هذه الفتوح العلمية البعيدة المدى، وما لها من أثر كبير في تطور الشعوب ومصائر البشر، الأمر الذي زعزع عرش الأدب الذي تربع عليه قرونا طويلة، فالعلم قد نازعه السلطان، واستطاع أن يظهر عليه، وقد شكك الكثيرين في قيمة الدراسات الأدبية، وأصبح ينظر إلى الأديب في كثير من ألأوساط على أنه إنسان خيالي حالم، لا يعلق عليه امل في رفع مستوى امته.
وهكذا يقف الادب في قفص الاتهام، فنجاحه أو فشله، منوط بمدى قدرته على الدفاع عن نفسه، في محكمة الضمير الانساني، واعتقد أن أحسن ما يدافع به الأدب عن كيانه، هو ابراز رسالته في الحياة والمجتمع، وقدرته على المساهمة الفعالية في تدعيم كيان الأمة، ورفع معنوية الشعب، ودفع الانسانية خطوات إلى الأمام، وهكذا نجد أن هذه الموجة العلمية المكتسحة، تفرض على الأديب أن يتفهم رسالته، ومغزىأعماله التي يقدمها للناس لا يستطيعون أن يفهموه جيدا الا إذا كان مفهوما عند نفسه أولا، بوجهته وخطته وهدفه.
واذا كان على الأديب أن يعرف لماذا يكتب باعتباره أديبا فقط، فان عليه ذلك أيضا باعتباره أديبا ينتمي إلى أمة وإلى محيط أدبي خاص، عليه أن يعرف مكانه بين نماذج البشر أولا، ثم مكانه بين أفراد مجتمعه ثانيا، أن يكون له وجود عام يشارك به أمثاله في أقطار أخرى من الأرض، ووجود خاص، داخل البيئة التي يعيش فيها، وأقول عليه أن يعرف، لقصدي أن هذه المعرفة لسر الكتابة، يجب أولا أن تصدر عنا نحن القراء لما يقدم لنا من فنون الكتابة، ذلك أن معرفة الأديب سر صناعته، وهي الضمان لنجاحه وبقائه في عالم اليوم، وهي الضمان أيضا لتجاوبنا معه، وفهمنا عنه.
على الأديب أن يعرف على وجه التحديد: ماذا استطاع أن يقدم للإنسانية جمعاء، باعتباره اديبا أن يقدم لهذه الأمة التي هو عضو فيها، وأشد أعضائهاحساسية بمشاكلها وأزماتها نواحي ضعفها وقوتها، وعوامل نجاحها، وعومل فشلها، فتساؤل الأديب عن سر كتابته، والباعث عليها، والغرض منها، يجب أن ينصرف إلى هاتين الناحيتين: الانسانية والقومية.
وشيء اخر، وهو أن الأوساط الأدبية كلها تتساءل اليوم عن مدى حرية الأديب، ـ وعن نوع العلاقة التي يجب أن تكون بينه وبين مجتمعه، وهنا تتقدم فكرة الإلتزام في الأدب لتحتل مكان الصداة، وهذا من شأنه أن يحمل الأديب على أن يحدد موقفه من هذه القضية، فإذا لم يفعل، فإن قراءه يظلون منتظرين منه الكلمة الا إذا وجد الجواب الدقيق عن هذا السؤال: لماذا كتب وما من قضية أدبية كبرى معاصرة الا ويتحتم على الأديب أن يدلي فيها برأي، حتى يكون ممثلا لعصره، متجاوبا مع ما يعج به من مشاكل وقضايا ادبية بارزة، وإلا كان غير متصل بقراءه في المواضيع التي تهتم وتشغل بالهم، ويلتمسون الاهتداء فيها إلى الرأي السديد، والفكرة الموفقة، ومن لهم بذلك اذا خذلهم اديبهم الذي يجب عليه نحر قرائه، ما يجب على الأستاذ من توجيه وهداية نحو تلاميذه.
وإذا عرف الأديب لماذا يكتب، عرف الميدان الذي خلق له، واتضحت امامه مجالات مواهبه، فلا يبقى حاطب ليل، ومترددا بين ألوان من الكتابة، وصنوف من القول، لا يجمعها هدف واحد، ولا تنتظمها خطة موحدة، بحيث لا يعرف بدقة هل ميدانه الحيوي هو القصة، أو المسرحية، او المقالة أو القصيدة، أوغير ذلك، وبالعكس من هذا إذا عرف غايته، وعرف ميدانه، اذ ينصرف الى لون من ألوان