فهرس الكتاب

الصفحة 4297 من 5287

الأدب، يراه كفيلا بتحقيق أهدافه، فيوفر له كل عناصر الجودة والاتقان، ويصل به إلى ذلك المستوى الرفيع الذي ما كان ليصل اليه لو أن الأديب وزع نفسه بين فنون أدبية كثيرة، اختلفت وسائلها وطرق معالجتها، نعم قد نجد للأديب مشاركة في فنون أدبية مختلفة، لأن الأديب قد يكون متعدد المواهب، ولكن لا بد أن يكون عنده لون غالب اذا هو كان أديبا متمكنا من فنه، واثقا بنفسه، واعيا لرسالته.

قديما لم يكن الأديب بحاجة الى أن يلقي على نفسه هذا السؤال: لماذا اكتب؟ بقدر ما هو بحاجة الى ذلك في هذا العصر، ذلك لأن الأدب لم يكن يفهم كرسالة، وانما كان ينظر اليه غالبا على أنه ترف فكري وعاطفي، وزينة تتجمل بها الحياة، واناقة تزدان بها المحافل، وحلية يتبرج بها المجتمع، وهذا هو السر في كون المدارس الأدبية القديمة كانت تعنى في الغالب بالناحية الشكلية للأدب من عبارة وأسلوب، أكثر من اعتنائها بالفكرة والمضمون، فكان الأديب قرين الرسام والموسيقار، واذا به أصبح اليوم قرين المفكر والفيلسوف، حتى ليتساءل عن الفلسفة التي يستطيع أديب اليوم أن يقدمها للناس من خلال أعماله، ونرى أن هذه الأعمال انما تسمو وتحترم بحسب الفلسفة التي تتكشف عنها.

ولعل السر في هذا التغير في قيم الأدب وقيمة الأديب، راجع الى تطور الثقافة، وتقدم العقل، وفتوحات العلم، وارتقاء الشعب الى وجدان الاديب فالثقافة أصبحت ممعنة في الواقعية، والعقل اصبح مسيطرا على كل نواحي النشاط الإنساني، ونتائج العلم أحدثت أثرا عميقا في تفكير الإنسان المعاصر، فأصبح يخضع كلشيء لمقاييس عملية دقيقة، والشعوب أصبحت اليوم تحتل مكان الصدارة سواء في السياسة أو الأدب، وهذا الوضع فرض على الأديب أن يعرف بدقة ماذا عساه يستطيع أن يقدم للناس، وما الغاية من هذا الذي يقدمه، وماهي وسيلته الناجعة، ومما يؤسف له أن أدباء العرب في هذا العصر، لا يستجيب اكثرهم لمتطلبات العصر ومقتضياته، ومنهم من لا يزال يفهم الادب كما كان يفهم في العصور الوسطى، في حين أن كل شيء تغير من حوله، فنحن اذ نلتمس ادب الفكرة في ألادب العربي الحديث، لا نكاد نجده إلا عند القلة القليلة من أدباء العرب المعاصرين، اما الأكثرية فلا زالت تجعل من التلاعب باللفاظ، والاصباغ اللفظية، والبهلوانية الأسلوبية، سبيلها الى الشهرة ونباهة الذكر، وليس هذا التخلف في النظرة الى الأدب الا لونا من ألوان التخلف العديدة، التي يعانيها العرب في نواحي أخرىمن حياتهم.

وانه لمن الطبيبعي أن يسبق ادب الالفاظ ادب الفكر الى الوجود، ذلك لأن الجمال الحسي للأدب هو أظهر جوانبه وأقواها سطوعا واشراقا وتنبيها للحواس، ولهذا كان طلبة كل متأدب، وكل شعب ضيق افاق التفكير، فهو الناحية السهلة للأدب، سواء بالنسبة للمنتج أو المستهلك، لا يستلزم أكثر من بعض المهارة في استخدام اللغة، واستخراج صور الجمال من اساليبها، وتركيبها على هذا النحو أو ذاك، لتؤدي نغما خاصا، أما أدب الفكرة، فيأتي بعد هذه المرحلة، لأنه رشد أدبي ان صح التعبير، يمثل طور النضج والقوة، وعدم الانخداع بزخرف اللفظ، والارتفاع عن التلاعب بالألفاظ، الذي هو مظهر من مظاهر الأشياء، دون الوصول الى حقائقها وأغوارها.

وتساؤلنا: لماذا نكتب؟ له مغزى آخر، وهو وعينا لحاضرنا الأدبي، ومراقبتنا لصيرورته وتحوله، وجعلنامدركين لصنعه ونملك فيه أن نغير ونبدل، عن وعي منا وإدراك لمشاكلنا، والعقابات التي تواجهنا والقيود التي تثقل أقدامنا، وباختصار فإننا نسيطر على أنفسنا حينما ننتج، ولا تكون مجرد شيء مسخر، توجهه الظروف، وتقوده الأيام وتلعب به المصادفات، دون أن يكون له قوة على خلق الفرص، وتوجيه الأحداث، وصنع التاريخ.

وان أخص ما يميز أديب هذا العصر -في أغلب البيئات الأدبية- عن أديب العصور الوسطى والقديمة انه أعمق وعيا لكل ما صدر عنه، لا ينتج وكأنما هو منقاد لقوة خفية لا يعرف لها مصدرا، أو مدفوع بروح غريبة لا يدري لها مأتى، ولكنه مدرك لنفسه، وامكانياته، ومواهبه، ومجاله، وغاياته ووسائله، الا أن الأديب هنا اديبان: أحدهما عرف نفسه، فاختط لها طريقا، ورسم لها هدفا، وحملها على ما ارادها عليه، واديب آخر عرف نفسه، ولكنه اثرها بالعافية، وجنبها طريق الوعر، والغاية البعيدة، والمرتقى الصعب، فكانت النتيجة ان استطاع الأول اثبات الذات، والمساهمة في تغيير الواقع، وتوجيه التاريخ في حين أن الثاني استسلم اللمصادفات تفعل به ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت