فهرس الكتاب

الصفحة 1808 من 5287

إن كل هذه المدة المديدة التي عاشتها تورثنا في غمرة من الكفاح المرير، لم تزدها إلا متانة في نظمها. وشدة في مقاومتها، ونضجا في أسلوبها السياسي والعسكري، مما أتاح لها أن تحتل مكانة دولية مرموقة، فأضحت (حكومتها الفتية) مثار إعجاب وتقدير جميع الأحرار في كل أطراف العالم. ذلك لأن الثورة قد برهنت خلال هذه الفترة الممتدة من حياتها، على عمق مبادئها، وسمو أهدافها. ونزاهة جوانبها القومية والإنسانية. وأبانت عن مدى ما تحتضنه هذه الرقعة الشاسعة من أرض المغرب العربي، من طاقات معنوية نضالية، جديرة بأن تعد من مواطنيها خير امة تتولى بناء حضارة إنسانية جديدة في غرب البحر البيض المتوسط، كما فعلت في إبان ازدهارها وعظمتها، بعد أن تتخلص نهائيا من كل قيد من قيود العبودية والاستغلال، وتنطلق في طريق الحرية والاستقلال.

فجدير بنا -ونحن نلج أبواب السنة السادسة لثورتنا- أن ننوه بهذه السنين، الخمس من الجهاد العظيم، الذي خاض معركته هذا الشعب العربي الأبي، محييا به شعيرة من أهم الشعائر التي قامت عليها عزة الإسلام في عهوده الزاهرة، محققا آمال العروبة في أبنائها الذين عقدوا العزم على استعادة أمجادها، مبرهنا عن مدى تعلقه بعروبته وتشبثه بتعاليم دينه. رافضا كل ما عداهما من ترهات وخزعبلات، لا يمكن أن يسمح لها بأن تمس حقيقته الجوهرية، أو أن تحيد به عن الاتجاه الذي سار فيه مع قافلة العروبة الحرة الناهضة.

حقا إنها ذكرى جليلة القدر، عظيمة المغزى، عميقة الأثر في حياة الأجيال الجزائرية، بل الأجيال العربية جمعاء. إننا نستطيع أن نخرج من إمعاننا النظر في هذه الذكرى، والتعمق في دراسة حقيقتها الثورية ببعض النتائج المنطقية. منها:

أولا: أن الشعب الجزائري قد كافح المحتل على شخصيته، وجميع خصائصه كشعب عربي مسلم، مؤكدا ذلك في دستور الإعلان عن الثورة، وهذه العقيدة التي سرت في أبنائه مسرى الدم في الجسد، هي التي كانت له فيها أكبر عامل للنصر على العدو قديما وحديثا.

ثانيا: إن الاستعمار ظل وما فتئ يشن حربه الصليبية، والعنصرية على شعب عريق في دينه وعقيدته وقوميته، محاولا مسخه وإدماجه، بل وتحطيم شخصيته، ليتسنى له ابتلاعه وهضمه، دون نظر إلى ماضيه التاريخي العتيد، وتقدير لتراثه الروحي الخالد، الذي لا يقبل هضما، وهذا هو سر فشله في محاولاته وهزيمته أمام هذا الشعب العزل في الماضي والحاضر أيضا ...

وثالثا: إن فرنسا قد خالفت في انتهاج سياستها الاستعمارية في الجزائر كل النواميس الطبيعية والإنسانية، وتنكرت لكل ما يمليه الضمير والوجدان في معاملة الجزائريين. فهي لم تقف عند حد السيطرة السياسية المباشرة، التي أفقدت الجزائر سيادتها الوطنية في نظر القانون الدولي. ولم تكتف بالاستقلال الاقتصادي الفظيع، الذي قام على السلب والنهب والاغتصاب لكل ثروات الوطن والمواطنين، لصالح شراذم من المعمرين الأفاقين، بل عمدت إلى تحدي كل القيم والمعاني الخلقية والروحية، وخرق كل الشرائع السماوية والوضعية، مستعملة أحط الأساليب وأبشعها في انتهاك حرمة المقدسات، والاعتداء على الحرمات، واقتراف أرذل ضروب الإثم والمنكرات. نكاية بشعب كل ذنبه أنه لم يكن يملك من القوة المادية -عند الاحتلال- ما يستطيع به دفع العدوان الفرنسي عن وطنه.

إن هذه العوامل مجتمعة أو متفرقة، هي التي فرضت على شعب الجزائر أن يستميت في الكفاح، ويصمد في النضال، هذا الصمود العجيب مدة خمسة أعوام، أمام قوى هائلة لدولة كبرى، اشتهرت بتعصبها الأعمى، وامتازت بعنصريتها وأحقادها الدفينة، ضد كل ما يمت بصلة إلى العرب والمسلمين.

ومع بوادر النصر التي تبدو في الأفق وشعاع الأمل المؤذن بقرب الظفر المرتقب، مع هذا فإنها ما تزال أمامنا مرحلة هامة في طريق الكفاح، يتعين علينا قطعها -بمؤازرة وتأييد إخواننا وأشقائنا العرب في المشرق والمغرب- كما قطعنا معا المراحل السالفة في الخمسة أعوام المنصرمة. وذلك قبل أن نشرف على نهاية هذه المعركة الخالدة في تاريخ العرب والعروبة، والتي لا ريب في أن كل عربي يؤمن في قرارة نفسه، ويعتقد من صميم فؤاده، أنها ستكون لخير الجزائر، وكل الشعوب الشقيقة والصديقة.

وما نحن إلا أمة ذات نسبة

سماوية الأسباب لن تتقطعا

وذرية للأطلس الفخم لو به

تصدت لنا (ذرية) ما تصدعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت