فهرس الكتاب

الصفحة 1807 من 5287

قمما لواء الجهاد المقدس من أجل الحرية والعدالة الإنسانية. فجاهدوا بأرواحهم الغالية، وسقوا ثرى الوطن المحبوب بدمائهم الزكية، تحقيقا لذلك الهدف الأسمى، وأبوا إلا أن يحيى وطنهم ويحيى مواطنهم كراما أحرارا، أو يموتوا شهداء أبرارا. وهذا منتهى الوفاء والإخلاص للمبادئ والقيم الروحية. ففي عصر سيطرت فيه المادة على النفوس، وتحكمت الأنانية في اتجاهات الأفراد والجماعات، يضرب هؤلاء الأبطال المجهولون

أروع الأمثلة في التضحية بالنفس، والتفاني في خدمة المجموع، ونكران الذات من اجل رعاية مثل عليا، وقيم إنسانية مقدسة، في أرض الجزائر العربية، التي أبت نذالة المستعمرين الفرنسيين ولؤمهم، إلا أن يدسوا عليها بالأقدام، وينتهكوا حرمتها، ويمتهنوا قداستها وكرامتها طيلة قرن وربع قرن، مخالفين بذلك ما أجمعت عليه كل الأمم والشعوب المتمدنة، من رعاية واحترام لهذه المثل والقيم الإنسانية.

إن إمعان فرنسا في بغيها وظلمها، وعقدها العزم على أن تعمل بكل الوسائل (الإجرامية) لمحق الشعب الجزائري تدريجيا، وإبادة شخصيته العربية والإسلامية، بغية تحويله إلى مجموعة من البشر الهمج، الذين لا يرتبطون بماض، ولا يفكرون في مستقبل، إلا في النطاق الاستعماري الضيق ... إن عمل فرنسا هذا هو الذي حدا بالطلائع الأولى من الوطنيين الجزائريين أن يعمدوا إلى تجريد الحسام في وجه استعمارها والالتجاء إلى حمل السلاح ضده، مقدمين على كل النتائج والأخطار، لأنهم آمنوا -منذ اللحظة الأولى- أن الاستشهاد في ميدان الجهاد، من أجل استرجاع حرية الأمة، وحماية ثرائها الروحي والقومي من المحو والامتهان، أشرف عند الله والناس من الحياة مع الذلة والهوان، فلم يسعهم إلا أن أعلنوها ثورة عارمة على الظالمين .. والطغاة المفسدين ...

ثورة لم تكن لبغي وظلم

في بلاد ثارت تفك القيودا

ثورة تملأ العوالم رعيا

وجهادا يذر الطغاة حصيدا

ولعل أول انتصار أحرزه السابقون الأولون من المجاهدين والأنصار، هو انتصارهم على أنفسهم، ونزولهم إلى مجال الفداء والتضحية بالنفس والنفيس، أجل؛ انتصارهم على دواعي الفشل والخور، وضعف العزائم، والتغلب على نقيصة الجبن والوهن، وغيرها ...

هذه الأمراض الفتاكة، التي تمكنت خلال عشرات السنين من شعوبنا التي ظلت رازحة تحت كابوس الاستعمار الأجنبي البغيض، دون أن تتخلص من هذه الأمراض المزمنة، وتعلن صيحة الجهاد المقدس، مجابهة قوة الاستعمار بمثلها، دون خوف أو تردد، نظير ما حصل في الأعوام الأخيرة لدى بعض الشعوب التي كانت تعيش تحت السيطرة الاستعمارية في آسيا وإفريقيا، فلم تنجل المعركة بينها وبين المحتلين إلا عن هزيمة نكراء للمستعمرين وأحلافهم وأعوانهم ...

وإذا كان الحديث النبوي الكريم، قد عبر عن جهاد النفس بالجهاد الأكبر، فقد انتصر شعب الجزائر في جهاده هذا من أول يوم أعلن فيه الجهاد الوطني، فأنكر نفسه، ونسي مصلحته الفردية، ولم يتردد في الانضواء تحت لوائه، منذ أول طلقة نارية مؤذنة بنشوب ثورة البعث. فساهم في الكفاح إلى جانب جيش التحرير، وغذي النضال المسلح، بكل ما لديه من إمكانيات مادية وأدبية، مستهينا بكل تضحية إلى أن يفنى عن آخره، أو يحكم الله له بالنصر على عدوه. وقد صدق الله وعده مع الشعب المؤمن بحقه في حياة العزة التي خص الله بها المؤمنين، بنصره للفئة القليلة من كتائب جيش التحرير على الفئة الكثيرة من جنود المعتدين في كثير من المعارك والمواطن.

وقد عبر أحد شعراء الثورة عن هذا المعنى أصدق تعبير فقال:

وجيوش مضت يد الله تز

جيها وتحمي لواءها المعقودا

من كهول يقودها الموت للنـ

ـصر فتفتك نصرها الموعودا

وشباب مثل النور ترامي

لا يبالي بروحه أن يجودا

فمضى الشعب بالجماجم يبني

أمة حرة وعزا وطيدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت