فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 5287

كانت الظلمة قد انتشرت، وأشعلت مصابيح الشارع فاستطالت خيالات الأشجار. وكانت هي (( سميرة ) )واقفة بجانبي تترصد حركات الطفل وهو يلعب فوق حشائش وتحدثني في نفس الوقت. أخبرتني أنها أتت لتنوب عن أمها في مهمتها لبضعة أيام، وهي غير متعلمة، ولها أخوان في الجامعة، تشتغل هي وأمها لتوفرا لهما ما يحتاجون إليه ...

واكتشفت فيها شيئا آخر، وعذوبة متناهية في الصوت، فكنت أمطرها سيلا من الأسئلة عن اتفه الأشياء فتفيض في الحديث غير ناسية التفاصيل، وأنا أتلذذ بموسيقى صوتها. وانتبهت إلى أنها لا زالت واقفة، فأمسكت يديها وأشرت لها أن تعقد بجانبي، ثم أجلست (( فؤاد ) )بيننا وقد بدا عليه التعب. كانت يدها دافئة فاحتفظت بها بين يدي ... واستمرت في حديثها، ولم أكن انتبه إلى ما تقوله بقدر انهماكي في الاستماع بنغمات صوتها. وكانت تنتقل من موضوع لآخر سواء وجدت رابطة أم لم توجد. وسمعتها تتكلم عن الحب، قالت أنها أحبت منذ سنة أحد أصدقاء أخيها، أحبته حتى العبادة، وبادلها نفس الشعور، وأبدى استعداده في أن يتقدم لخطبتها، ولكنها رفضت، أعلنت له رغبتها في عدم التزوج به، وعندما أسألها عن السبب، أجابته: ـ لأني أحبك.

ولفت نظري جوابها الغريب، فسألتها عن المصدر الذي استقلت منه فلسفتها هذه، فأجابت:

ـ أنه مجرد شعور داخلي .. يخيل إلى لو تزوجت ذلك الذي أحببته لانطفأت جذوة العشق في قلبينا.

وانتبهنا إلى أن الطفل قد داعبه الكرى فعلت وجنتيه حمرة خفيفة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة رقيقة .. وفي نفس اللحظة أحنى كل منا رأسه ليقبل (( فؤاد ) )فتقارب وجهانا، وشعرت بأنفاسها تلفحني، ودون شعور أمسكت بذقنها وأهويت على شفتيها بقبلة عميقة جدا .. فقد كنت أقبلها بشفتين شققهما الظمأ، وعاشا في الحرمان عشرين سنة.

وعند كل مساء أجدني أتملص من كل المواعيد والأصدقاء لا ذهب إلى مقعد الحديقة في الركن القصي، منتظرا قدومها ومعا الطفل (( فؤاد ) )وفي كل مرة كنا نجد موضوعا تحدثني فيه بصوتها العذب، ولم تكن تحكي فقط، بل كانت تعيش كل ما تقصه علي، كل جارحة فيها تشارك في إخراج حكاياتها ... وكنت شيئا يتسلل إلى قلبي، ولم أستطع حتى الآن أن أجد له إسما دقيقا .. حقيقة أنني كنت أشعر بسعادة تغمرني فتجعلني أتمنى في قرارة نفسي لو أن الزمن يبطئ، فهل هذا ما سمونه الحب؟ أم أن مجرد (( الفراغ ) )الذي كنت أعيش فيه هو الذي جعلني أحس هذا الإحساس؟ إذن فكل واحدة غيرها في تلك الفترة كان من الممكن أن تخلق في نفسي مثل ذلك الشعور

وذات صباح وأنا ذاهب إلى الكلية، وجدت (( سميرة ) )واقفة عند الباب، فسألتها عن وقفتها غير المعتادة، فأجابتني:

ـ إني انتظرك لا ودعك.

ـ تودعنني؟

ـ نعم فقد تخاصمت مع (( الأمير ) )جاء أمس متأخرا ورائحة الخمر تفوح منه، وفتح باب غرفتي وحاول أن يعتدي علي .. ليست هذه أول مرة، وقد شتمته، وقررت القطيعة معهم.

كانت تتكلم ببساطة كأنها تنهي إلي خبرا عاديا، ولم أرد أن أعلق بشيء ... وطلبت منها موعدا نلتقي فيه ولكنها فاجأتني قائلة: ـ لا أظن ذلك ممكنا، فأنا مخطوبة ولا استطيع أن أقابلك في الخارج.

ـ مخطوبة؟ ولكنك لم تقولي لي ذلك من قبل.

ـ وما جدواه؟ ألم نقض أياما طيبة كنت لي فيها خير أنيس، والأفضل أن نقف عند هذا الحد قبل أن تتأجج النار فتحرقنا .. أليس كذلك؟

ولم أرد أن أعترض بقوة وأصرخ وجهها بكلام يقتضيه الموقف .. لم أرد أن أصطنع شيئا، فقد كنت أعلم أنني أمام إنسانة لها فلسفة تتبعها، ولا يستطيع اعتراضي أن يجعلها تحيد عنها .. كانت تؤمن بأن وظيفة القلب هي أن يحب كلما دعاه الحب، ثم طوى ضلوعها على الذكريات وتمضي في طريق الحياة.

ومددت يدي أودعها فأعطتني قارورة عطر صغيرة وهي تقول:

ـ للذكرى .. كلما تعطرت اذكرني، وأذكر الطفل (( فؤاد ) )والحديقة والكرسي.

وعندما كان الربيع يحسب آخر أيامه، ولم أكن أودعه مكتئبا متفكرا بليالي الشتاء الطويلة، فقد كنت أحضن بين ضلوعي ذكريات جميلة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت