فهرس الكتاب

الصفحة 2270 من 5287

ولم يكن العقل ليخرج بحظ أوفر بل أسدل عليه ذلك المجتمع حجابا كثيفا من الجهل شدت إطنابه الأساطير والخرافات فاستعصى عليه التطلع إلى ما وراء الحواس والكشف عن علة وجوده وغايتها فاستسلم ليومه ولسان حاله يقولك «ما مضى فات والمؤمل غيب

ولك الساعة التي أنت فيها

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي

فدعني أبادرها بما ملكت يدي»

وليس بعجيب على مجتمع شان الروح والعقل فيه على هذا النحو أن تنعدم فيه الأخلاق وبالا حرى المقاييس الأخلاقية نفسها، ولا غرو أن يسود الفساد والاستبداد والجمود، وتباح اللذائذ وتنطلق الشهوات. فمن نفس حيوانية شهوانية محبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض، والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل، ومن نفس حيوانية شهوانية محبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح. مجتمع منشق على نفسه، يصعب انقياد البعض للبعض الآخر، قلما تجتمع أهواء أعضائه للغلظة والأنفة والمنافسة في الرياسة، مبني أساسه على طبقات متفاوتة تفصل بين الواحدة والأخرى هوة سحيقة من العصبية والحقد.

لكن هذا الفساد الذي عم المجتمع الجاهلي وطغا على الروح والعقل واقتلع جذور الأخلاق وتلف مقاييسها لم يجرد العرب من الخصائل الفطرية التي جبلوا عليها، ولم يحل دون اكتسابهم ملكات حميدة. فأنبل خصال المكيين الإدراك الواعي لواقع الحياة والنشاط المبدع وتلك الحنكة التي امتازوا بها في قيادة الناس، بينما امتاز البدو بالشهامة والكرم وعزة النفس.

ولقد كانت الخصال البارزة أحيانا والكامنة غالبا في صراع مع تلك الأوضاع الفاسدة صراع باطني تتشوق نفوسهم على الخروج منه ظافرة، دون أن تجد للنصر سبيلا. وما ذاك غلا لأن العقل عاجز وحده إلى الخروج من تلك الظلمة إلى نور الهداية. فلا يخرجه منها إلا إشعاع سماوي ينتشله انتشالا وينير له السبيل ليسير دون تعثر ولا تردد. وما هذا الإشعاع سوى الوحي.

فلنر كيف اثبت الإسلام قابليته لقضاء على آفات المجتمع الجاهلي والتوفيق بين المتناقضات التي تزخر بها الطبيعة البشرية حتى أدرك الناس وهم يعتقدون مبادئه الجديدة إن مقاييس الوجود قد تبدلت في نفوسهم فأصبحوا ينظرون نظرة جديدة إلى نفوسهم وإلى مجتمعهم وإلى غاية وجودهم في هذه الدنيا.

وإذا ما دققنا النظر وجدنا أن أركان الإسلام ترمي كلها إلى أهداف واحد وهو إحلال الوحدة محل العصبية والشعور القبلي، وتمتين أواصر تلك الوحدة في شعور موحد يجمع بين الصفوف في رابطة وثيقة تشد البعض على البعض وتشد الجميع على سلطان الله رب العرش العظيم بميثاق يستسيغه العقل حتى تكون التكليف الاعتقادية والعلمية والخلقية ممن يسع المؤمن تعقلها وبذلك يسعه الدخول تحت حكمها.

والطريق التي سلكها تتدرج من الأيمان إلى الإسلام إلى الإحسان، والوسيلة المستعملة في العلاج ضمت في آن واحد الدعوة والتشريع: الدعوة التي موضوعها وأساسها الاعتقاد بالتوحيد والتشريع لحماية مقاصد هذه الدعوة والمحا فظة على أساسها.

الدعوة: من أجل الحصول على الإيمان وجه القرآن الكريم نظر الإنسانية إلى الكون وإلى الحكومة الكونية وغلى مكان الإنسان ومحله من الكون وحكومته.

ويتدرج نظر الإنسان في استعراضه من الحاضر المشهود بالعيان على الغائب المعلوم بالإيمان: ففي المرحلة الأولى، ينظر إلى الأشياء بعين حسه حتى تستفرغ صورها وأشكالها وتخاطيطها ذهنه وتبهر فكره وقلبه، وفي المرحلة الثانية تأتي ثمرة الاعتبار وزبدة الاختيار فينظر في الأشياء، حتى يبعثه على العبور من صورها إلى حقائقها والمراد بها وما اقتضى وجودها من الحكمة البالغة والعلم التام، ويميز بين الوسيلة والغاية.

فالكون مسرح واسع للتفكير، موطن للمتعة والجمال وهدف للتسخير والاستثمار.

«يستعرض القرآن مشاهد الطبيعة مشهدا مشهدا ويطوف بنا في أجزاء الأرض وأجناس مخلوقاتها. ويحلق بنا في أجواء النجوم والكواكب وهي تجري في أفلاكها، ويقف بنا أمام المخلوق الكريم - الإنسان - فيصفه كما هو في واقعه بغرائزه ونزعاته. وما يتمتع به من عقل واردة ... ويستعرض مراحل حياته مرحلة مرحلة ... إنها طبيعة يستطيع العقل إدراكها، فهي معقولة، لها في ذاتها علها ومن نوعها أسبابها. فالماء ينبت به الزرع إلى آخر ما رواه لنا بعض العارفين» .

وبعد هذه المرحلة الطويلة ينتقل بنا الكتاب العزيز إلى التفكير في قصة خلقها وبداية نشأتها وسبب وجودها ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت