فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فإذا نظر الإنسان هذه النظرة إلى الكون حصل له علم ضروري بأن هذه الكائنات لم توجد اتفاقا، بل لا بد لها من موجد أوجدها وأن الحكومة الكونية، حكومة ذات قوانين وليست بالحكومة الفوضى ولا بالحكومة التي تجري على الهوى.
وبالجملة من نظر في الموجودات ولم يقنع بمجرد النظر إليها وحدها، وجدها دالة على أن وراء هذه الحياة حياة أخرى أكمل منها، وبذلك العالم الآخر، الذي دعى إليه بكل شريعة وعلى لسان كل نبي وبكل إشارة ودليل، تخفى على حواسنا حوادثه وسننه بل صلاته بالعالم المحسوس. فطريقة معرفة عالم الغيب الإجمالية العقل ولكنه وحده لا يستطيع أن يهتدي في مجاهله ولا تتوفر فيه القدرة على ذلك، ولابد من الاستعانة بملكة الروح وذلك على طريق الوحي والنبوة.
وعليه فإن الإسلام أتى بنظرة عن الكون والحياة شاملة، متحررة من خرافات العصور السلفة وخيالية المذاهب العقلية والفلسفية، تحتل العقل من جهة، والقلب من ناحية أخرى، فتحيط بالفكر والعاطفة وتولد من تظاهرهما عملا وسلوكا. ومفتاح كل أمر من أمور الإصلاح هو الوصول إلى النفس أولا.
وجوهر موضوع الدعوة إلى الإيمان وأساسها هو الاعتقاد بالتوحيد. وأن المدار بنجاة الإنسان وفلاحه إنما هو خروجه من عبودية غير الله إلى عبودية الله وحده الذي له الخلق والأمر وبيده النفع والضر، الذي خلق السموات والأرض، ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك.
عبودية لله لا لغيره، بأمره وشرعه لا بالهوى، ولا بآراء الرجال وأوضاعهم ورسمهم وأفكارهم، واستعانة على عبوديته به لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره.
فالعبادة إذا غاية العباد التي خلقوا لها. واصل الإخلاص للمعبود حقيقة، فأعمالهم كلها لله لا يريدون بذلك جزاء من الناس ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم.
وليست العبادة التي هي الغاية للعباد الانقطاع عن الناس بالخلوات، وإنما أنفع العبادات وأفضلها حسب بعض العارفين ما كان فيه، إقتداء بسنن الأنبياء نفع متعدد، من خدمة الخلق في معاشهم ومعادهم والإشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم. فصاحب التعبد الصحيح ليس له غرض في تعبد بعينه ويؤثره على غيره بل يعمل على مرضاة الرب في كل وقت بما يقتضيه ذلك الوقت ووظيفته فهو حر، مجرد، دائر مع الأمر حيث دار كالغيث حيث وقع فهو لله، وبالله ومع الله.
لهذا فإن الاعتقاد هو الذي يضمن للإنسان الصحة في الفكر والرأي والطهارة في الأخلاق والأعمال، التي هي كما هو معلوم، أساسية كالعقائد حيث القصد منها أن تكون مظهرا من مظاهر الإخلاص لله، وتعبيرا دينيا يشرح عاطفة الإجلال لله.
ويستفيد المؤمن من كلمة التوحيد عاطفة الاستقلال والحرية، فليس لأحد عليه سلطان وهذا التحرر من عبودية الأفراد يقوى نفسه على مهاجمة أحداث الحياة، والتوحيد يدعو للتفكير والنظر وتحكيم العقل ويقضي على الجمود والتقليد. وفي سبيل التوحيد تسهل كل العقبات وتتساوى القبائل والشعوب جميعا حتى الأديان. وأتباع الهوى مضاد للتوحيد لأن الهوى صنم ورق في القلب، وغل في العنق، وقيد في الرجل. فليس المراد من التوحيد كسر الأصنام المجسدة وترك الأصنام التي في القلب، بل المراد كسرها من القلب أولا. فبإزاء الشرك العلمي الذي يزول بالعلم والحجة، إذ لا يمكن لصاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه، يوجد شرك الإرادة والقصد الذي يرتكب صاحبه ما يدله العلم على بطلانه وضرره لأجل غلبة هواه واستيلاء سلطان الشهوة والغضب على نفسه. فمن التوحيد جهاد النفس ليسلم العبد قلبه ولسانه وجوارحه لله فيكون لله وبالله لا لنفسه ولا بنفسه.
فالتوحيد إذا يجعل الأخلاق مسيطرة في جميع نواحي الحياة ومهيمنة عليها، وهو يريد بذلك أن ينتزع زمام شؤون الحياة من أيدي الشهوات والأغراض والمصالح ويضعه بين يدي الأخلاق الزكية والآداب الحسنة.
وبالإحسان رسم الإسلام مثلا عليا غير المثل العليا للحياة في الجاهلية، وذلك بإخضاع منافع الشخص، ومنافع القبيلة لأوامر الدين. فالإحسان يطلق النفس من قيودها المادية، فيسعى الإنسان لنفسه ولأمته وللناس جميعا على قوانين الحق العامة وسنن الخير الشاملة فعلى أساسه حددت للفرد والجماعة الحقوق والواجبات، وعلى محوره صار المؤمن يلائم بين إيمان هو أهداف الحياة وبواسطته ألقى في روع وضمير المؤمن حارس من الشرطة الخلقية يدفعه إلى العدل ويحثه على الائتمار بأوامر الخالق ويبعث فيه يقظة وحيوية تيسر بما فيها من تدريب وتهذيب سبل التكافل الذي لابد منه