فهرس الكتاب

الصفحة 4758 من 5287

في القرن الثاني:

حل القرن الثاني وحل معه التدوين في العلوم الشرعية والأدبية وظهرت طبقة من الرواة واللغويين والنحاة، وأخرى من الشعراء والكتاب وتزاحمت مجالس البصرة، ومحافل الكوفة ثم بغداد بكثير من الذين ضربوا بسهم في الفنون الأدبية من لغة ونحو وشعر، وإلى جانبهم آخرون نصبوا أنفسهم للنقد والاختيار ..

ولا ننسى أن القرن الثاني كان عصر انقلاب أدبي في النثر والشعر .. وتجديد وتطور في الفكر وقد طويت في أوائله صفحة الدولة الأموية واتجاهها في الحكم والسياسة .. كما نشرت صفحة الدولة العباسية بنظامها الجديد الذي مكن كثيرا من العناصر من الإسهام في الحياة الفكرية بالإضافة إلى الإسهام في الحياة السياسية ..

فبعد ترسل عبد الحميد الذي فسح الطريق أمام ابن المقفع، نجد هذا الأخير يقول وقد سئل عن البلاغة فقال محددا لها: «البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الحديث ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون في الحديث ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ما يكون في هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته ... »

فهذا كلام في النقد له قيمته، بالإضافة إلى هذا الأسلوب (المستعرب) يعطينا صورة عن اتجاه النقاد في ذلك العصر الانتقالي، وقد كتب الجاحظ في البيان والتبيين عن فهم الفارسي، واليوناني، والرومي، والهندي، للبلاغة وقد ـ زعم ـ أنهم سئلوا، ما البلاغة؟ فأجابوا:

ـ الفارسي: معرفة الفصل والوصل

ـ اليوناني، تصحيح الأقسام، واختيار الكلام

ـ الرومي: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة ..

ـ الهندي: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة.

أما فهم العرب للبلاغة فقد ـ شاء ـ الجاحظ أن يجعله محاورة بين معاوية بن أبي سفيان .. وصحار العبدي الخطيب العربي الشهير الذي كان من شيعة عثمان وحضر صفين مع معاوية:

معاوية: ما البلاغة فيكم؟

صحار: الإيجاز ...

معاوية: ما الإيجاز؟

صحار: أن تجيب فلا تبطئ، وإن تقول فلا تخطيء.

وشعراء القرن الثاني وهم كثيرون: أبو نواس، وبشار، وأبو العتاهية، وغيرهم لا يسلم واحد منهم ـ في عصره ـ من تتبع النقاد الذين ينتقدون لغته، وتعبيره، ووزنه، وسرقته، واقتباسه بالإضافة إلى دينه، وسلوكه، وأخلاقه، ولكن هذا النقد على العموم لا يتعدى الجزئيات والشكليات مما يجعلنا نتأكد أن الفروق بين نقاد هذا القرن وسابقيهم ليست جوهرية في الموضوع .. لأن الانقلاب العباسي أعطى ثمارا فجة في القرن الثاني ظهرت في تعدد الاتجاهات ووفرة الشعراء. وكثرة الكتاب والنقاد، ولم تظهر الثمار الناضجة إلا في القرن الثالث.

في القرن الثالث:

كان مفتتح هذا القرن مزدانا بخلافة المأمون في السياسة، وفي الجاحظ في الكتابة، وأسلوب المعتزلة في الدين والثقافة، وظهر أبو تمام والبحتري في البداية، وابن الرومي وابن المعتز في النهاية.

وقد نضجت سائر العلوم والفنون ومنها النقد الأدبي فارتأى الجاحظ أن يؤلف كتابه (البيان والنبيين) ليبني النقد الأدبي على أساس من الذوق السليم، وأننا إذ ندرس هذا الكتاب نجد الجاحظ يستعمل ألفاظا اصطلاحية مثل: المجاز، والتشبيه، والازدواج، والاستعارة، والكناية، والأطناب، والإيجاز، والبديع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت