فهرس الكتاب

الصفحة 930 من 5287

بأنفسهم لا قوة لهم، وكل ما يبنون عند أنفسهم من حصون محكمة رصينة، تكون واهنة كبيت العنكبوت، وهم لا يستطيعون أبدا أن يكافحوا الذين يتقدمون باعتمادهم على الله ذي العزة والقدر الحقيقيين. «ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها» (البقرة) .

ويتحدى القرآن أنه كلما التقى جمعان من أهل الإيمان وأهل الكفر، كان الانتصار لأهل الإيمان لا محالة «ولو قاتلهم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا» (الفتح) ، «سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» (آل عمران) . وذلك بأن الذين يقاتلون عن الله تعالى يكون في عيونهم التأييد الإلهي، ومن كان معه التأييد الإلهي فلا يبدي لأحد بكفاحه «ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم» (محمد) ، «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» (الأنفال) .

هذا من قوة المؤمن الصالح وأيده، وبجانب ذلك إن من القانون الإلهي أن من كان نزيها محمود السيرة، المنزل من عند الله تاركا وراء ظهره أهواءه ومآربه النفسية، فإنه يتحبب إلى خلق الله، فالقلوب تنجذب شوقا إليه، والأنظار ترتفع بالتحية والاحترام، ويؤمن بصدقه أعداؤه فضلا عن أوليائه، ويتقون بعدله وعفته ووفائه «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا» (مريم) ،"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (ابراهيم) ،"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كونوا يعملون» (النحل) ."

ولكن، نتيجة أي شيء كل هذا؟ ليس نتيجة أن يقول المرء كلمة «لا إله إلا الله» ويتسمى بأسماء المسلمين، ويتبع بعض التقاليد المعلومة في المجتمع الإسلامي، أو يؤدي بعض الشعائر، بل يشرط القرآن لظهور هذه النتائج الإيمان والعمل الصالح، إنه يريد أن ترسخ حقيقة «لا إله إلا الله» في قلوبهم ونفوسهم رسوخا يجعلها غالبة على أفكاركم وتصوراتكم وأخلاقكم ومعاملاتكم، تنطبع حياتكم بطابعها، ولا يتسرب إلى أذهانكم معنى يختلف عن معاني هذه الكلمة، ولا يصدر عنكم من عمل يخالف عن معاني هذه الكلمة، ولا يصدر عنكم من عمل يخالف مقتضى هذه الكلمة.

فلتكن نتيجة التفوه بكلمة «لا إله إلا الله» أن يحصل مع ذلك انقلاب تام في حياتكم، تسرى روح التقوى في عروقكم، ولا تخضع رؤوسكم لأحد غير الله ولا تمتد أيديكم إلى أحد غير الله، ولا تخشى نفوسكم ما سوى الله، فلا يكون حبكم ولا بغضكم إلا الله وحده، ولا ينفذ في حياتكم قانون غير قانون الله، فتكنون مستعدين أبدا لبذل كل ما تحبون في سبيل رضا الله تعالى، وإذا بلغكم أحكام الله ورسوله، لم يكن عندكم بإزائهم إلا «سمعنا وأطعنا» قولا وفعلا. وإذا حصل كل ذلك فيكم، لم تكن قوتكم قوة أنفسكم وأجسامكم وكفى، بل كانت قوة أحكام الحاكمين الذي يسجد له ما في السماوات والأرض طوعا وكرها، وتنور وجودكم بنور السماوات والأرض، الذي هو المحبوب الحقيقي لجميع الخلقية.

كان هذا كله حاصلا في المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، فكان من نتائجه ما قد شهد به سجل التاريخ، كان ذاك العهد من قال فيه «لا إله إلا الله» تبدلت حياته غير الحياة، يكون خاما فيصبح كالذهب المسبوك، كل من يراه فكأنه رأى التقوى المجسم والصدق المتمثل، يكون أميا فقيرا يعاني الفاقة ويلبس الخشن ويجلس على الحصير، ولكن يكون من هيبته في القلوب ما لا يكون لذوي العظمة والأبهة من الملوك، كأنه مصباح أينما ذهب، اقتبس من نوره كثير من المصابيح، ثم من نفر من هذا النور وتجرا على أن يزاحمه ويطفئه، وجد في شعلته ما يحرقه ويفنيه.

مثل هذه القوة الإيمانية والسيرة الطيبة الصالحة، كان يملكها المسلمون الذين انبروا للعرب كلها في ميدان الكفاح، وهم لا يزيدون يومئذ على ثلاثمائة ونصف، ولما بلغ عددهم بضعة ملايين، خرجوا في الأرض يغزون الأمم ويفتحون الممالك، وما زاحمهم في هذا الطريق قوة إلا كسروا شوكتنا وذللوها تذليلا.

فقوة المسلم الحقيقية ـ كما أسلفنا ـ هي الإيمان والسيرة الطيبة، الناتجة عن رسوخ معاني كلمة «لا إله إلا الله» في القلب، وإن لم تكن هذه المعاني راسخة في القلب، بل نطق بها اللسان فحسب، ولم ينشأ عنها انقلاب في ذهن المرء وفي أعماله وبقى الإنسان بعد نطقه بهذه الكلمة كما كان من قبل، فلا فرق بينه وبين المنكرين لها من حيث الأخلاق والأعمال، يطأطئ رأسه لغير الله كما يطأطئون، ويستجدي غير الله كما يستجدون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت