فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 5
الجواب:
اتئد سدد الله خطاك، ولا تتهم بهذه السرعة ذلك الطالع السعيد الذي أشرف في سمائك، فحاول أن يميط عنك من الحجب والغياهب والجهالات ما كنت فيه قبل- كما ذكرت في رسالة من رسائلك أن العقل نور جعله الله للإنسان لما أراد أن يجعل في يده مفتاح هذا العالم الذي ما خلقه إلا له، ولا بمتري ذولب في مقدار ما للعقل، ولا فيما أنتجه العقل فيما مضى أو سينتجه في المستقبل، فالعقل منبع العلم الذي يسير الحضارة ويطير بها شيئا فشيئا إلى عليين.
هذا كله مما اجمع عليه العقلاء، وتضافر على الإشادة به العلماء، إلا أن هذا العقل لا يزيد على الطبيعة التي جبل عليها، فإنما هو كالصبر والسمع، فإنهما وان امتدا ما امتدا، لابد أن يكون لهما حد، فقدر ألان أن المجاهر وغيرها من النظارات المقربة أو المكبرة يزداد تحسين العلم لها إلى قدرت ولكن ألا يكون لمدى البصر بعد ذلك كله حد محدود، وان بلغ بنظارات المراصد ما بلغ؟ بلى، فلا بد أن يصل حدا لا يتجاوزه، فكذلك العقل، فإن له محيطا أوسع من جميع الحواس سعة عظيمة، ربما يؤتي إلى الإنسان بديهة إنها لا تنتهي إلى مدى، والواقع لمن تأمل أدنى تأمل أن له حدا ينتهي إليه ولا يتجاوزه، وفي نفسكم أفلا تبصرون؟ فما هو روحك؟ وما هي حقيقة بصرك؟ وما هو كنه سمعك؟ وما الذي يضمره لك الغد؟ وما الذي يتناجى به جليسك أن رايته غفل لحظة عن الاستماع إليك؟ فمن أين أقبلت إلى هذه الحياة التي أنت فيها الآن؟ أم إلى أين أنت متوجه بعد الموت؟ فقد يقول متعنت ملحد: أنني كما أقبلت من العدم أتوجه بعد الموت إلى العدم أيضا، فنقول له ما هو العدم نفسه؟ بل ما هي حقيقة الوجود؟ فما اقصبر واضال مجالات العقل أن قيست بما لا يمكن أن يجول فيه العقل، وليس بالعاقل المتبصر المتأمل الحصيف، من لا يجعل هذا من البديهيات عنده، فلا يطلق في كل شيء دعوى عريضة فيزعم انه سيسبره بمقياس عقله، فإن الله ما فتح للعقل إلا جانب من ظواهر لعض الأشياء فقط، وزوى عنه جوانب أخرى أعظم وأوسع من حقائقها، فهذه الكهرباء وهي أعظم ما اكتشفه الإنسان بعمله فارتقب بها الحضارة، لم يعلم العقل إلا مظاهرها فقط، فهل يعرف (ماركوني) و (إديسون) وكل علماء الكهرباء من كنهها شيئا؟ وهل أدرك (فرادي) الانكليزي مكتشف المبدأ الأساسي من المحرك الكهربائي من كنهها ولو لمحة الحقيقة؟ أن الكل إزاء حقيقة الكهرباء من الجاهلين.
اكتشف (غليليو) القوة التي تنتج عن المعادلة بين قوة الجرم المدفوع وبين قوة المدفوع به، ولكن هل كان يدرك عقله الجبار الذي ربما كان وحده في صفاء الذهن، في القرن السابع عشر، كنه تلك القوة؟ فقد اعترف هو بنفسه بأنه لا يدري شيئا من طبيعة القوة أمام الناس.
وكذلك مكتشفو الأصول التي تتركب منها المادة كالهدروجين والازوت والأكسجين وهي تزيد عندهم على التسعين، هل أدركوا حقائق هذه الأصول؟ وهل أدرك مكتشفو ما في نور الشمس من الأطياف المختلفة-ما يمكن منها أن يرى وما لا يمكن أن يرى - ما هي تلك الأطياف؟ وهل أدرك من يقولون أن الذرة هي الأصل الأصيل لكل المخلوقات المدروسة ما هو كنه قلب الذرة؟ وهل أدرك (نيوتن) الانكليزي ما هي الجاذبية التي علل بها انتظام المجموعة الشمسية وغيرها من المجموعات الأخرى؟
الجواب الحقيقي هو أنهم كلهم لا يجيبون إلا يمثل ما قاله غليلو، فإن كان هذا فيما أدرك العقل بعمله منه بعض الظواهر، فماذا ترى فيما لا تزال ظواهره تستعصى عيه إلى الآن، فغن كل الخطأ التي يخطوها العلماء الباحثون لا تزيدهم إلا الاقتناع بأنهم إزاء عوالم عظيمة مجهولة منهم، لا يكون ما يدركون منه بعض الظواهر، إلا كهباءة صغيرة إزاء السماوات والارضين.
قلت بكل حماسة: أنني لا أقبل إلا ما وصل إلى كنهه أدركي، وفهمه عقلي، فإنني ابن القرن العشرين وربيب المدنية العجيبة التي لا تعرف إلا العلم وحده، الذي يستجلى الحقائق ويدركها ولا يكتفي بالظواهر فقط قلت هذا وأطلقته إطلاقا، ولكن أيتناسب قولك هذا مع أقوال الفلاسفة المنصفين غير المغترين من أبناء القرن العشرين وممن ربتهم المدنية العجيبة؟ فقد قال (هوبرت سبنسر) الفيلسوف الانكليزي الذائع الصيت غير ما قلت، حين حلل العلم الإنساني فأحاله إلى درجة العجز المطلق، أمام إدراك كنه أصغر ذرة من ذرات الوجود، وقرر أنه لا يمكننا في الإمام بأشياء الوجود إلا إدراك علاقات بعضها ببعض، وصفاتها الخارجية عن كيانها وكنهها.
وقال أيضا الأستاذ (ايزوليه) الفرنسي: إن علومنا هي الجهل المرتب. وقال بعض البحائين الأمريكانيين: أننا كلما تقدمنا خطوة في اكتشاف أو اختراع، نزداد يقينا بجهلنا الكثيف، وعجزنا الواسع