فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 9

ولا تخص دعوة الإسلام الرحمة بطبقة من الناس، بل تعم الجميع، وتشمل الحيوانات أيضا، فعن عمر (ض) قدم على النبي (ص) سبى، فإذا امرأة تحلب ثديها؛ تسقي؛ إذا وجدت صبيا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال لنا النبي (ص) أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقلنا: لا؛ وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها.

وروى عنه (ص) أنه قال: بينما رجل يمشي بطريق أشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم امسكه بفيه فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا يا رسول الله وان لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر،. وروى أيضا أنه قال: دخلت امرأة النار في هرة، حبستها فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

فهذا رجل جوزي بسبب كلب رحمه، وهذه امرأة عوقبت بسبب عدم رحمتها للهرة، فالمدار على الرحمة وجودا وعدما.

ولعل هذا كله لا يبين المدى البعيد الذي تصل إليه الرحمة الإلهية كما يبينها حديث شريف يذكر ما أعده الله في خزائنه لعباده من هذا الكنز الثمين، وانه لحكم على طبيعة هذه الدعوة الإسلامية بأنها للرحمة أولا وأخيرا. وهذا الحديث هو قوله (ص) جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزأ، وانزل في الأرض جزأ واحد. فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.

وبعد فما هي نسبة المحبة من الرحمة، أو ما هو الفرق بين الشعارين ان كان لا بد من اعتبار الفارق بينهما؟

لا شك أن الرحمة أهم من المحبة، فأنت ترحم وان لم تحب، وبذلك يكون الشعار الإسلامي أكثر انسجاما مع دعوته التي هي دعوة عامة لجميع الخلق، بخلاف الشعار المسيحي الذي لا يمكن أن يطبق إلا على من يستطيع الإنسان أن يحبهم، بعبارة أخرى أن الإسلام لم يهمل المحبة، كيف وقد قال نبيه (ص) لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولكنه دعا إلى الرحمة أكثر مما دعا إلى المحبة، علما بان الرحمة أدنى مثالا من البشر واعم مفعولا، ولأنها أيضا هي المراد من المحبة، لا المحبة ذاتها، فقد تنحرف المحبة عن سبيلها، ولا تؤتي الثمرة المطلوبة التي هي الرحمة، كما وقع لديك الجن الذي احرق محبوبه واتخذ من رماده كأسا كان يشرب بها، ويغني ما قاله من الشعر في ذلك المحبوب.

ولعل هذا المثال هو أقرب ما يكون من محبة بعض الأمم المسيحية لإخوانهم في الإنسانية بل وفي الدين: ويرحم الله شوقي إذ يقول في هذا المعنى:

(عبى) سبيلك رحمة ومحبة

في العالمين وعصمة وسلام

ما كنت سفاك الدماء ولا أمرا

هان الضعاف عليه والأيتام

يا حامل الآلام عن هذا الورى

كثرت عليه باسمك الآلام

أنت الذي جعل العباد جميعهم

رحما، وباسمك تقطع الأرحام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت