فهرس الكتاب

الصفحة 3586 من 5287

وأحسب أن الاستقلال السياسي في بلادنا اجتاز هذه المراحل جميعها، ولكنه لم يشرع بعد للأسف في اجتياز المرحلة الأولى من تلك المراحل الثلاث في قضية الاستقلال القومي.

والاستقلال القومي، أو الشخصية المتحررة أمر عظيم المنال، خطير الشأن ليس ذلك فحسب بالنسبة إلى وجوده، ولكنه كذلك بالقياس إلى ما يضفيه من صفة النضج على الشخصية المتحررة، مما يؤدي بالضرورة إلى تأخير الاستقلال السياسي والمرحلة الثانية والمرحلة الثالثة تعتمد على الأفراد، أي على الشعب، فإن ذلك كفاح من اختصاص الأفراد فعلا، أما تحقيق الاستقلال القومي إذا أريد له الإنجاز الفعلي المباشر، وأريد له التنفيذ السريع، فإنما تقوم بمسؤوليته، وتتكلف بتحقيقه الدولة، وأقصد هذه المرة بالدولة رجال الحكم في البلاد.

والاستقلال القومي يفتقر تحقيقه إلى عناصر، إذا كان من بينها تنظيم الاقتصاد الوطني، والجيش، والعلاقات الخارجية، والعدل، فإن للتعليم والتعريب بالنسبة لظروفنا أهمية أساسية أعظم وأخطر من كل ما يتوقف عليه تحقيق الاستقلال القومي في بلادنا، ذلك أن حماية حدود بلادنا، وتطوير اقتصادنا، وتنظيم علاقاتنا بالخارج، ونشر العدالة، بين مواطنينا، كلها مسؤوليات لا تتناسب ومستوى التعليم والمعرفة بين أبنائنا، كما أن مصيرنا المربوط برسالتنا في الحياة داخل المجموعة العربية والإسلامية، لا ينسجم ولغة الدخيل علينا، التي فرضها وفرض معها تقاليدها وآمالها، وحيث أن الاستقلال القومي مفتقر باستمرار إلى التربية الوطنية، فإن تربيتنا الوطنية لا تقوم لها قائمة إلا بنشر التعليم وبتعميم التعريب، ذلك أن التعريب بالنسبة لنا هو العمل البناء الأساسي في استقلالنا القومي، ولقد كانت فرنسا تعرف ذلك جديا فعمدت في سياستها الاستعمارية إلى العمل على فرنستنا، لا حبا فينا أو ترقية بمداركنا - كما يحلو للمملوكين أن يدعوا- ولكن من أجل أن تقطع الصلة بيننا وبين مراحل تطور تفكيرنا، وبيننا وبين طريقتنا في الإحساس، بقصد إدماجنا في تاريخ مراحل تفكيرها وآمالها، ونحن كأمة تتمتع بجميع مقومات الأمة، لم يمكننا أن نصهر في تقاليد وآمال غيرنا، فلا يسعنا إذا - وقد انفصلنا عن النشاز- أن نحيا بدون المحافظة على رسالتنا، وأنه لا سبيل لنا لتحقيق القيام بأداء تلك الرسالة إلا بنشر التعليم وبتعميم التعريب.

ولعله مما يستوجب منا إرساءه الآن، بعد أن أحرزنا على الاستقلال السياسي، أن نعيد لتفكيرنا طريقته في الأسلوب وأن نرجع لإحساساتنا وسائلها في التعبير، أي: أن نمارس لغتنا لكي يتأتى لنا أن نعود إلى الارتباط بمراحل تطور تفكيرنا، فنستشعر كيان ذاتنا، ونستلهم طبيعة تكويننا، لنتمكن من تحمل رسالتنا التاريخية باستمرار وجودنا.

وهنا مما سند للأوضاع اختصاصها أن تحتضن وزارة التعليم والتعريب واجب القيام بمسؤوليتها، فدورها يعادل بل يفوق وزارة الدفاع في حماية استقلالنا، وتأكيد قوميتنا، والذود عن طريقة تفكيرنا، وأسلوب إحساسنا، أي عن اللغة التي هي وسيلة للتعبير وفحوى للشخصية في آن واحد.

ويومئذ سوف يجوز لنا أن نتحدث عن تقييم الأدب في بلادنا، فيحق لنا أن نصفه بالركود أو ننعته بالثرة، أما في بداية طور الرجولة من عمرنا الأدبي، فليس من حقنا أن نقيم الأدب في بلادنا، والجهل يفتك بأبنائنا، ولغة الدخيل تحيق ببيئة تفكيرنا، وليس هناك جيل معين يمكن أن نحمله مسؤولية (( الركود الفكري ) )، جيل السلف أدى مهمته في حدود إمكاناته ودعته مسؤولية أخرى فانصرف، وجيل الخلف لا يستقر ويوجه التوجيه الخلاق، والأدب في بلادنا لما يحن الأوان لوصفه بالنشاط أو بالركود، وإنما الأساس السليمة لبناء حياة فكرية في المغرب، هو موضوع النقد الذي ينبغي أن تنصرف إليه عنايتنا، أصحاب أقلام، ومسؤولين عن التربية الوطنية في البلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت