فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الوطنية يتيحون لهذا النشء ما يغذي به رجولته، ويذكي حماسه، ويقوي فيه ملكة الخلق والإبداع، وييسر له سبيل التفكير الحر؟.
إن اللقاح أي لقاح، لكي ينتج لابد له من دم يغذيه وحرارة تدفئه، فما هو الدم والدفء اللذان أعددناهما لجيل بداية الرجولة من حياتنا الفكرية؟
إن ما يطيب لبعض صحفنا أو مجلاتنا أن تتحدث عنه، هو ظاهرة (( الركود الفكري ) )حسب ما يحلو لهم تسميته، وإن يمقت الجائع شيئا، فهو أن يسمع بملء أذنيه عجب المتخمين من كون الفاكهة تقدم لهم في نهاية الطعام مزة، وهم يطلبونها حلوة، وهؤلاء الذين يطيب لهم أن يصفوا الحياة الفكرية في المغرب بالركود، هم المتخمون الذين لا يعرفون ولا يقدرون أن الملايين من أبناء هذا المغرب أميون، لا يقرؤون ولا يكتبون، وبأن الشرذمة القليلة التي تقرأ وتكتب، بضاعتها من ذلك لا تكفي لان تجعل من أبنائها أنصاف مثقفين.
والذين يتحدثون عن (( الركود الفكري ) )وفي حسبانهم أنهم يتوجهون بحديثهم إلى (( النخبة ) )في هذا الوطن، إنما هم يتلهون من عل، ويدركون مصير (( النخبة ) )وكيف تم دخولها التاريخ، فجيلها قد اضطر إلى العدول عن كتابة خواطر الفكر، إلى ممارسة التراتيب الإدارية، وشغله الكلام، فأوقف موران التفكير، ولا يصح تحميل جيل سلف مسؤولية جيل خلف، وقد أدى ذلك مهمته في تلك المرحلة الفكرية، وهو يؤديها في هذه المرحلة الإدارية، وإن تباينت المرحلتان في الهدف والغاية، وإنما إذا أصح أن يحاسب في وقت ما، فعن المسؤولية التي هو بصددها اليوم.
لكن مسؤولية الخلف، ليس من النقد الرصين أن يسأل عنها، أو يوجه اللوم إليه إن هو لم يف بها، ذلك لأنه يربي مؤرجحا بين لغتين، لا الأولى منهما لغة إحساساته، ولا الأخرى التي ينتمي تفكيره إليها يلقنها بطريقة سليمة، مما يجعله في حل من المسؤولية. طالما هو يعيش نتيجة هذا التوجيه، في خضم من الجهل، وتفكك الشخصية، وانحلال مستوى الثقافة، في حيرة من نوع الرسالة التي يتطلب منه الإيمان بها فضلا عن الدعوة إليها.
ففيم إذن هذه الصيحات، ممن يكلفون أنفسهم مشقة النكر على الحياة الفكرية في بلادنا مثل هذا الركود؟! فما كان الأجدر بأصحاب هذه الأقلام عندنا، أن يطلبوا للجياع غذاء يبعث فيهم الدفء قبل أن يطلبوا لأنفسهم فاكهة حلوة في نهاية الطعام من هؤلاء الجياع ذواتهم؟.
ماذا أعددنا إذن نحن المسؤولين عن التربية الوطنية لهؤلاء الجياع؟ ما الذي أعددناه في هذه المرحلة الانتقالية من مراحل حياة الفكر في بلادنا لهؤلاء، لهذا الخلف الذي يتوقع أن يحاسب عما أنتجه للحياة الفكرية في المغرب؟.
إذا لم يكن الاستقلال القومي، هو دم ودفء هذا الإعداد، لهذا الخلف، فلا -ودم شهداء الاستقلال- لن يكون إلا عقيما.
لقد كان الإحراز على الاستقلال السياسي نتيجة كفاح مرير وذلك هو التفسير للكلمة المأثورة: الاستقلال يؤخذ ولا يعطي، والكفاح المرير، ليس معناه فقط استعمال القوة، وانتزاع الحق من الدخيل، ولكن معناه قبل كل ذلك، ما يحدث من اصطدام عميق الجذور بين الشخصية ذاتها وبين مقوماتها، وذلك ما كان يسميه الرسول محمد r بالجهاد الأكبر، ومعناه أيضا ما يتولد عن ذلك الاصطدام العميق من تسابق بين الشخصية المتكاملة وبين:
أ - إيمانها بما هو حق أولا.
ب - اندفاعها للمطالبة بذلك الحق ثانيا.
وبمدى نجاح الشخصية المتكاملة في هذا التسابق، يتقرر مصير:
ج- حصولها على ذلك الحق أخيرا.
وإذا كان استعمال القوة، هو وسيلة من وسائل تأكيد هذه المرحلة الثالثة، فإنه قبل الوصول إليها يكون الكفاح المرير قد اجتاز فعلا مرحلتين اثنتين هما:
أ - إيمان الشخصية بأحقية مطلبها.
ب - مطالبتها عملا بذلك الحق.
ويكون هذا الكفاح في هاتين المرحلتين، ليس بين أجنبيين، ولكنه بين الشخصية المتكاملة ذاتها، وبين قدراتها، ولن يتوفر لهذه الشخصية المتكاملة صفة التحرر، إلا بقدرتها على تخطي المرحلة الثالثة والأخيرة.