فهرس الكتاب

الصفحة 1892 من 5287

تضاعفا وتوسع مداها. فإذا كان هدف الشبيبة المغربية هو الوصول إلى التقدم فهل يظنون أن ذلك غير مستطاع إلا إذا تخلوا عن تعاليم القرآن الكريم. إن الرأي عندي أنهم يخطئون فيما يظنون فما من شعب عصري هجر عقيدته ردحا من الزمن إلا وعاد إليها، ولقد رأينا شعوبا تهجر لغاتها وتأخذ العلم بلغات الغير وتحمل شهادات الغير الجامعية ولكنها لا ثلبت أن تعود إلى لغاتها الأصلية. عرفت ذلك في كثير من الشعوب منها أهل الغال وسكان جزيرة مان وأهل كورنوال وسكتندة في بريطانيا العظمى وسكان مقاطعة بريطانيا الواقعة في شمال شرق فرنسا وسكان ايرلندة وغيرهم. كل هذه شعوب عصرية احترقت في وقت من الأوقات لغاتها وعقائدها لتتعلق بأهداب الشيء العصري ولكنها ما لبتت أن عادت إلى لغاتها وعقائدها يوم عرفت قيمتها.

وان الفضل ليرجع إلى بعض «المتأخرين» الذين حافظوا على العادات والتقاليد حتى جاء وقت استرجاعها لمقامها العزيز في النفوس.

وإذا علمنا ذلك فإننا نتساءل ما للمغاربة يسعون اليوم إلى قطع الصلة مع مدينتهم المجيدة ليعودوا إلى التنقيب عنها وإحيائها في الغد؟

سوف تمضي سنوات الشباب التأثر وتعقبها سنوات يبيض فيها شعر الرأس فيتبين للثائرين بالأمس على حاضرهم أنهم خسروا زهرة العمر في الجري وراء أسطورة، وراء سراب أنههم ولم يرو لهم عطشا.

ما أكثر أولئك الذين هجروا عقيدتهم وهجروا معها عاداتهم وتقاليدهم ثم ندموا عليها يوم أنهكتهم السنون والأعوام وخانتهم قواهم الجسمية. واضرب المثل ببعض منهم: أدوار هريو عمدة مدينة ليسون ورجل الدولة الذي عاش ملحدا منكرا للأديان طول حياته فلما حضرته الوفاة مد يده نحو السماء تائبا ملتمسا الغفران. وشارل مورا الذي كان ملحدا مطرودا من الكنيسة محكوما عليه من قداسة البابا فقد تاب وعاد إلى الكنيسة قبل أن يجتاز أبواب الأبدية. وهناك الصحفي البريطاني حوواد الذي أنكر الأديان كلها وصغر شأنها ثم قام يجاهر بتوبته ويلتمس العفو من كل الذين جرهم في أذياله.

وما كانت ولن تكون العقيدة الإسلامية واللغة العربية وتعاليم القرآن عقبات تصد دون الحياة العصرية وإنما تعطي لهذه الحياة الاتزان وتبث فيها الروية والحكمة وتصد عن الأخذ بها في طيش وجموح. ولئن كانت الديانة الإسلامية عقبة فهي عقبة تصد عن سواء استعمال الطبيعة وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعرض شبان المغرب عنها وعن لغتها؟

ومهما تكن قوة النظريات والمذاهب المادية فإنها لا تصمد أمام الاندفاعات الروحية ففي الجمهوريات الروسية يدرسون ثلاثين لغة مختلفة ولكننا لا نجد أهل جمهورية واحدة يتخلون عن لغة آبائهم وأجدادهم. وأهل الصين الشعبية يتشبثون أعمق التشبث بماضيهم ولا يرضون بديلا عن العقائد التي أورتهم إياها الآباء والأجداد، لم ينس الروسيون ايفان الهائل ولا قيصرهم بطرس الأكبر ولا ملكتهم كاترين العظيمة ومع ذلك فالاتحاد السوفياتي والصين الشعبية يسيران بخطوات واسعة نحو هذه الحياة العصرية.

وقد تقول أن أهل هذين القطرين يجهلون الديانات والمعتقدات أو يشنون عليها حربا شعواء.

قد يكون هذا القول صادقا، ولكن شرارة واحدة تكفي لأشغال نور الإيمان وجعله يتدفق في قوة لم ير لها مثيلا من قبل. وكما يحافظ أهل روسيا المؤمنين على عقيدتهم في أعماقهم، فكذلك المسلمون، ليس منهم من يفرط في قلامة ظفر من عقيدته رغم ما يجتازه من عقبات في ساعة الراهنة فلا تنسوا أيها الأصدقاء من شبان المغرب أن روح الله أقوى وأسمى من المادة. فإذا آمنتم بهذه الحقيقة الجوهرية فسيروا نحو التقدم بنفس طاهرة مطهرة وكونوا واثقين -وأنتم ما تزالون في مستهل الطريق- بأن النصر سيكون حليفكم لأن عدتكم ستكون ديانتكم ولغتكم وتقاليدكم. إنها مصدر قوتكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت