فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تعضي الجسم يتطور وينمو ويزداد تكاملا بدافع الفرض الذي تفرضه الأحوال الخارجية، وما تستلزمه طبيعة الحياة من دقة وإتقان في قيام الجسم بوظائفه الملائمة لهذه الأحوال واستغلالها، كذلك أثبتت الأنثروبولوجيا الاجتماعية للجماعات البشرية أنها بطبيعة جهادها في سبيل البقاء والمحافظة على النفس من طبيعتها أن تخترع وتستنبط وتنقل عن غيرها بالمحاكاة والتقليد والتعلم من الوسائل والأدوات ما يجعلها قادرة على الملاءمة بين حياتها والقوى المحيطة بها، وأن استطراد هذه الملاءمات أو تكاثرها ونموها وتنوعها بحسب ما تدعو إليه حاجة الزمان والمكان هي ما يعني بالتطور والتحضر، والترقي والتمدن، ولقد كانت القصة التي كتبها فيلسوفنا المغربي ابن طفيل شرحا علميا واعيا لمعنى التحضر الطبيعي في بني الإنسان، ولقد كان العنوان الذي وضعه لهذه القصة (حي ابن يقظان) تعبيرا علميا دقيقا عن معنى الحياة واليقظة في بني الإنسان، على أن الآية الكريمة التي نادت بني البشر قائلة: (يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ، تعني كل ما قال القائلون من قبل ومن بعد عن تأصل الحضارة في بني الإنسان، فتعارف الإنسان لا يعني شيئا إن لم يعن تعارفه بالنفع والانتفاع، والتعاون والتساند والإفادة والاستفادة فيما أنشأته وتنشئه قبائله وشعوبه من وسائل الرقي والتحضر، وذلك ما عناه بالفعل في مختلف أطوار حياته التاريخية، ومن هنا كان المحققون من أهل العلم بالمدنيات وتاريخ المدنيات صادقين كل الصدق عند ما أصبحوا يرون أن كلمة «همجي» أو متوحش أصبحت غير ذات موضوع في الحديث عن الإنسان، يقول العلامة ديورانت في كتابه (قصة الحضارة) : «الهمجي هو أيضا متمدن بمعنى هام من معانى المدنية لأنه يعنى بنقل تراث القبيلة إلى أبنائه، وما تراث القبيلة إلا مجموعات الأنظمة والعادات الاقتصادية والسياسية والعقلية والخلقية التي هذبتها أثناء جهادها في سبيل الاحتفاظ بحياتها على هذه الأرض والاستمتاع بتلك الحياة، ومن المستحيل في هذا الصدد أن نلتزم حدود العلم، لأننا حين نطلق على غيرنا من الناس اسم الهمج أو المتوحشين فقد لا نعبر بهذه الألفاظ عن حقيقة موضوعية قائمة.
التحضر إذن متأصل في الطبيعة البشرية والحضارة إذن ليست وليدة عصر دون عصر، ولا تركة شعب دون شعب، بل هي تركة موروثة ساهم فيها كل أبناء البشر بالإبداع والاقتباس منذ عهود إنسان ما قبل التاريخ حتى آخر عهد الإنسان من بعد التاريخ.
2)أصالة الحضارة المغربية:
والمغرب كشعب إنساني له من الاستعدادات الفكرية ما لسائر الشعوب التي يقتسم معها الحياة على وجه هذه الأرض، من الطبيعي أن يتثقف وأن يتحضر، وأن يترقى، وإن يبتدع من وسائل الترقي والتحضر ما تدعو إليه طبيعته الإنسانية الحية المتطورة، وهو من جهة أخرى كشعب اجتماعي له من غريزة الاجتماع ما لغيره من شعوب الأرض، ومن الطبيعي أن يتفاعل ويتعاون مع غيره من باقي هذه الشعوب الإنسانية، من الطبيعي أن يأخذ وأن يعطي، وأن يقتبس ما سبقه إليه غيره من المخترعات والمنشئات التي تساعده على حياة التطور والرقي، وهو تاريخنا كشعب إفريقي سكن هذه القارة الإفريقية التي تفاعلت مع غيرها من القارات الأخرى في غابر الأزمان، ولا تزال تتفاعل معها في حاضر الأزمان، من الطبيعي أن يتفاعل مع سكان هذه القارة، ومع غير سكان هذه القارة، فيما أنشأت وما اخترعت، وما أعطت وما أخذت، وما علمت وما تعلمت، من وسائل الحياة ورقي الحياة هو تاريخنا قد أبدع حضارة قبل أن يقتبس من حضارة، وأعطى من حضارته قبل أن ينقل من حضارة الغير، فالساحل المغربي على شاطئ البحر الأبيض المتوسط الذي أثبت التاريخ أنه كان طريقا للمدنيات القديمة ـ كما لا يزال طريقا للمدنيات الحديثة ـ هو ذلك الساحل المغربي الذي نقل لنا العلامة الإنجليزي ولز في كتابه مختصر التاريخ عن المؤرخ الإسباني الأثري أبرماير أنه كان الطريق الوحيد الذي نقل منه إنسان إفريقيا القديم الثقافة القابسية إلى جنوب إسبانيا القديمة كما يقول ديوانت، ولئن كان الشك لا يزال لم يرتفع في كون الحضارة المصرية أصل للحضارة البربرية أو فرع عنها أو معاصرة لها متفاعلة معها، فإن مما لا شك فيه أن المدينة البربرية كانت محققة الوجود على الأرض المغربية قبل أن يأتي هذه الأرض الفينيقيون بما لهم من حضارة ومدنية، يقول تيراس في كتابه (تاريخ المغرب) (أنه بالرغم من كل التخريب والبلاء الذي تعرض له البرابرة وبالرغم من جميع إمدادات السكان الأجانب التي استلمتها إفريقيا الشمالية في أزمنة التاريخ فإن الإنسان يجد مدينة أصلية مؤسسة سابقة على