فهرس الكتاب

الصفحة 4947 من 5287

التأثيرات القرطاجنية والفينيقية) وبحكم القانون التاريخي الذي يدعوه البعض (استطارة الحضارة) ويدعوه آخرون «هجرة الأفكار» بحكم هذا القانون الذي يبني عليه أليوث رأيه في نشوه ما على الأرض من حضارات والذي يعترف المؤرخ الإنجليزي توينبي بتأثيره العام ولو أنه ينكره بتاريخه الخاص الذي يريده له اليوث حين يزعم أن الحضارة استطارت إلى كل العالم من مكان خاص هو أرض مصر القديمة نستطيع أن نثبت أنه مما لا شك فيه أن قوما معاصرين لهذه الحضارة البربرية المتأصلة قد طارت إليهم، وقد يكون من بعض هؤلاء الأقوام المصريون القدماء الذين يريد اليوت سميت أن يجعل حضارتهم مصدر كل حضارات العالم ولعل هذا ما يعنيه خوليو حين يقول في محاضرته التي ألقاها في مدينة تطوان 1947: (الشمال الإفريقي ثقافات حامية شديدة القربى مع ثقافات غيرها مما تبقى من مقاطعة هيسيريا) وإذا كانت النقوش والكتابات المصرية قد احتويت ـ كما يقول الأستاذ عثمان في كتيبه اللطيف عن البربر ـ على ذكر البربر، وإن هذا الذكر لم يقتصر على ذكر أسماء القبائل وعاداتهم، بل تعدى ذلك إلى دراسة الخصائص البشرية والعادات والأخلاق، وما يتعلق بحضارة البربر بوجه عام) فإن هذا يعني أنه كانت للبربر حضارة استحقت من جيرانهم ومعاصريهم المصريين أن يدونوها بما تيسر لهم من وسائل التدوين.

وإذا كان الدكتور كوستاف لوبون يقول في كتابه الحضارة المصرية عن نزوح المصريين الأولين إلى وادي النيل: (إنه لا شبهة في أن أول الوافدين وجدوا على ضفاف النيل آثارا ضعيفة نادرة لما ترك أهل إفريقيا السوداء الذين كانوا لا يصلون إلى البحر إلا بطريق النيل) فلم لا يجوز ـ بناء على نظرية تولد الحضارات ـ أن تكون الحضارة المصرية إذن متولدة عن هذه الآثار الضعيفة النادرة وناشئة عنها، ويكون المصريون حينئذ إنما أتموا فقط ما عجزت عنه القبائل السودانية التي يعترف الدكتور نفشه بأنها تركت على أرض مصر آثار العصر الحجري التي لا تزال توجد أحيانا تحت طبقات الرمال، على أن ضرورة الاحتياج القسرية التي عزا إليها الدكتور كوستاف لوبون اختصاص الحضارة المصرية بكونها الحضارة الوحيدة التي نشأت فجأة من غير سابق أخذ، هي نفسها الصفة الإنسانية العامة التي يعبر عنها بالقول المأثور (الحاجة أم الاختراع) لذلك لا يمكن أن تكون هذه الصفة العامة سببا في نشأة الحضارة المصرية نشأة مستقلة دون غيرها من الحضارات، خصوصا وهذه الضرورة هي نفسها الحجة التي يستند إليها أولئك الذين يريدون أن يثبتوا ما للإبداع الأصلي من أثر ثابت في إنشاء الحضارات الإنسانية في مختلف الأزمنة والأمكنة، ويرفضون عن حق الرأي القائل بأن جميع الحضارات البشرية قديمها وحديثها، ماضيها وآتيها كلها متأصلة من حضارة واحدة هي حضارة قدماء المصريين أو الحضارة الغربية الحديثة، يقول أرنولد توينبي في كتابه «دراسة التاريخ» : «إننا نسلم الآن بأن استطارة الحضارة هي بلا ريب وسيلة انتقلت بفضلها كثير من الأساليب والمؤهلات والنظم والآراء من مجتمع إلى آخر .. ولكل .. مع إعطاء الاستطارة حقها، فمن الضروري إبراز الدور الذي قام به الإبداع الأصلي في التاريخ البشري، وينقل لنا توينبي للتدليل على صحة هذا الرأي عن فريمان من كتابه: «النظم السياسية المقارنة» قوله في الموضوع: «ليس من شك في أن كثيرا من أهم المخترعات الأساسية للحياة المتمدنة قد اخترع مرة وأخرى في عصر وفي بلاد بعيدة عن بعضها، وذلك لأن أمما مختلفة كانت قد وصلت إلى مراحل خاصة من التقدم الاجتماعي التي تدعو الحاجة فيها لأول مرة إلى هذه المخترعات» .

بناء على هذه الحقائق العلمية يكون من حقنا حينئذ أن ننتظر ما عسى أن تحققه الدراسات الأثرية في المستقبل عما إذا كان رسم الكبش البربري الذي يشابه وجهه تمثال الإلاه المصري القديم عمون رع ـ مقتبسا من رسم هذا الإلاه، أو أصلا له، أو أن كليهما رسم، رسما إبداعيا بعيدا عن كون أحدهما أصلا للآخر، كل ذلك ممكن في الحقائق التاريخية، وكل ذلك ممكن في الطبيعة البشرية، ولعل تقدم الاكتشافات الأثرية السائرة التي تكشف في كثير من الأحيان وفي كثير من الأماكن عكس ما كان يظنه التاريخ المكتوب بالأمس حقائق فإذا هو أوهام وأباطيل ـ كما كشفت عن باطل ما زعمه الأحباش من قبل من أنهم أول من نقل المدينة إلى أرض وادي النيل ـ لعل هذه الاكتشافات أخذت تلقي بعض الضوء على مكان الحضارة المغربية من التأصل أو الاقتباس، فالأستاذ عثمان الكعاك بعد أن يقول لنا في كتابه الجامع عن البربر: «أن الأمر يحتاج إلى زيادة تنقيب لنعلم بالضبط ما ذا كانت حضارة البربر في تلك العصور» يعود فيستثني ويقول: «على أن الحفريات الأولى التي أجريت على حدود برقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت