فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 18
جعلت منه الرجل المثالي الذي يتحدث عنه الفلاسفة والأخلاقيون، فحمل جلالته لطفل، ومداعبته لطفلة، ورفقه بعجوز، وتلطفه مع خادم، ومنحه توقيعا لطالب، كانت تعدل لدى الرأي العام الأمريكي مسامرة في ناد سياسي، وخطابا في مجمع أممي، ولقد كنا نشفق عليه من كثرة الوقوف للمصورين وهو يسعف هذا العدد العديد من الرجال والنساء الذين يجيئونه بأطفالهم وطفلاتهم طالبين منه حملهم في ذراعه للتصوير، ولكنه لم يضق ذرعا بشيء من ذلك، بل كان يجيب كل راغب إلى مرغوبه ولا يرد أحدا خائبا، وكان في ذلك من الدعاية للمغرب وديمقراطية أسرته المالكة ما فيه من الخير الذي يقدره كل عالم بقيمة التعريف وفائدته للأمم ولا سيما الناشئة منها، فالمغرب قد استفاد كثيرا من جولة ملكه بين المحيطين الأطلسي والهادئ، إذ أصبح ذكره يجري على ألسنة عشرات الملايين من البشر وصار لديهم حقيقة ملموسة بعد أن كان عندهم خيالا، حتى قال أحد كبار موظفي الأمم المتحدة: إن هذه الجولة التي استغرقت ثمانية عشر يوما كانت خيرا للمغرب من دعاية عشرة أعوام.
ولم تكن الرحلة الملكية رحلة بروتوكولية كتلك التي يقوم بها عادة رؤساء الدول إلى البلدان التي يستدعون لزيارتها، فيقتصرون على حضور المآدب، والوقوف على المشاهد والمعاهد، وتبادل الهدايا والأوسمة والرسائل الودية، لقد كان جلالة الملك يعلن للناس في كل مكان عن طموح المغرب إلى حياة كريمة، ويفصح عن رغبته في الإصلاح والبناء، فالحرية التي كافح لنيلها والشعب المغربي من ورائه -لم تكن في حد ذاتها غاية، ولكنها وسيلة لخلق مغرب جديد ينفض عنه غبار القرون البالية ويدخل إلى معمعة الحياة الحضرية ينشئ فيها ويشيد، ويستغل خيراته الطبيعية وثرواته الباطنية لفائدة سكانه ليضمن لهم العيشة الرغيدة والحياة الآمنة التي تكتنفها الحرية وتشملها السماحة، وقد قدر الشعب الأمريكي وحكومته هذه المطامح واستحسنوها، وتقدم المسؤولون في واشنطون بعروضهم لمساعدة المغرب على التطور والتجهيز والازدهار، من غير أن يطلب منهم المغاربة شيئا تصريحا أو تلويحا، وهذا يبين أهمية هذه الجولة في تمهيد سبل تعاون حر بين الدولتين خال من القيود والشروط، فقد جرت العادة أن تتقدم الدول المتخلفة بطلبات المساعدة إلى الدول المتقدمة، وتظل هذه الطلبات بين أيدي الاختصاصيين أوقاتا مديدة للدرس والتمحيص، حتى إذا حظيت بالقبول وضعت الدول الطالبة أمام شروط وقيود قد تحد من حريتها في التصرف، وتجعل أرضها قاعدة لجنود وأساطيل الدولة المعينة، وهذا ما لم يحدث منه شيء هذه المرة، فقد كانت الولايات المتحدة هي الطالبة لا المغرب، وكان عرضها خاليا من أي شيء يمس سيادته وحريته من قريب أو بعيد، وفي هذا دليل على ما تناله من عطف مطامح المغرب الجديد الذي لن يستغفله أحد.
وبالإضافة إلى ذلك كانت هذه الرحلة ضرورية لتصفية التركة التي خلفتها الحماية بعد موتها، وإزالة التباس بقي ينسج غشاوة على سيادتنا الوطنية، فمن المعلوم أن فرنسا أذنت للولايات المتحدة بتأسيس قواعد جوية في المغرب من غير علم ملكه ولا موافقته، ووضعت لها أنظمة تستفيد منها قوتها عسكريا وجاليتها ماديا، ولما أعلن الاستقلال وجد المغرب نفسه أمام أمر واقع لم يكن له بد من دفعه، فليس من المعقول أن يعترف به وهو الحريص على التخلص من آثار الاستعمار وفي مقدمتها وجود جيوش أجنبية فوق ترابه بغير علمه ولا رضاه، وقد أمكنه خلال هذه الرحلة، لما له من حق، ولجلالة ملكه من تأثير أن يصل إلى اتفاق مؤقت مع الولايات المتحدة في شأن هذه القواعد، وسيتفاوض معها قريبا عليها من غير مشاركة طرف ثالث، لأنها اعترفت بأنه صاحب الشأن الذي يعنيه الأمر وحده، ولا شان لغيره، وبذلك زال الالتباس وارتفع الغموض، وأصبحت سيادة المغرب الوطنية وحريته في التفاوض المباشر واضحتي المعالم، وحقيقتين مقرونتين مسلما بهما من طرف الدول.
وكما كان لشخصية جلالته أثرها الكبير في حل هذه المشكلة العويصة كان لها أيضا أثر كبير في جعل ساسة الولايات المتحدة ومندوبي الدول في منظمة الأمم المتحدة يصغون باهتمام إلى وجهة نظر المغرب في كثير من القضايا التي تشغل بال العالم، ولا سيما قضية