فهرس الكتاب

الصفحة 1671 من 5287

كما يغلب على الظن أن أكثر آداب الأمم الشرقية كان شأنها بعد ما داهمها الفتح الأجنبي الذي تقمص في الاستعمار الأوروبي الحديث وجثم على صدور أهلها وخصوصا رجال الأدب وحملة الأقلام وقادة الفكر فيها.

وإذا كانت هذه الحيرة وتلك البلبلة نتيجة للغزو الأجنبي فإنها في الواقع ليست إلا عبارة عن المأساة التي يعيشها الفرد وعلى الأخص الأديب في محاولته التوفيق بين رصيد حضارته الأصلية في نفسه وبين ما يرد على هذه النفس من شؤون الحضارة الداخلية التي تريد أن تقتحمها وتريد أن «تدلها في قعر بيتها» وتمتلك عليها جميع وسائلها في التفكير والتعبير من الحياة وتفرض عليها قيما قد لا تتلاءم وما عاشت عليه من قيم، وتعمل جادة عل ذلك حتى تمحو جميع معالم الحضارة القديمة الروحية والمادية وحتى يكون الحكم في النهاية للغالب لمجرد كونه غالبا إذ بغير ذلك لا تتم له الغلبة.

فإذا كانت هذه النفوس التي تواجه الغزو والفتح ضعيفة وآنية فإنها تزيد ضعفا ولا تثبت في ميدان هذه المغالبة، ثم إنها تهين وتزيد هونا حتى يتقلص ظلها، وعند ذلك تغلب على أمرها فتضمحل وتفنى بالاندماج في عالم الحضارة الطارئة عليها.

وقد تكون الغلبة لتلك النفوس إذ تظافرت عوامل شتى منها أن الحضارة الطارئة ليست لها من القوة الروحية ما يجعلها أسمى من حضارة الأمة المفتوحة.

ولهذا الرهط من الأدب أمثلة حية كثيرة لا زلنا نعيشها وأقربها إلينا الأدب الجزائري المعاصر الذي عبر عنه أصحابه بلسان غير لسانهم بل هو لسان الأمة التي غزت البلاد من غير أن يكون في وسعها أن تغزو القلوب والنفوس، وذلك هو سر الثورة العارمة التي تعيشها الجزائر والتي ستفضي إلى تحرريها طال الزمن أو قصر، وإنما هي الأحداث لا بد من استيفاء ما كتب لها من آجال!

ولسنا الآن بصدد التحدث عن الأدب الجزائري لأن مواده لم تكتمل لدينا بعد، على أن كثيرا من قراء «دعوة الحق» لم يفتهم الاستماع إلى محاضرات الأستاذ عمروش الكاتب الجزائري التي ألقاها أخيرا بالمغرب ولها مساسا بالموضوع، والكاتب نفسه مثال حي «للأديب الحائر» أخبث حيرة عرفها الأدباء الذين تولدوا عن فتح وغزو ونظيره من بين الجزائريين كثير.

وهناك مثل آخر لهذا الرهط من الأدب -أدب الحيرة والارتباك والبلبلة- في تلك المحاولات التي قام بها الأستاذ الشرايبي في كتابه الأول والثاني، وفيها وصف دقيق لنفسية الأفارقة المعاصرين ما بين مغاربة وجزائريين اختلط لديهم الحابل بالنابل عندما تصادمت في نفوسهم حضارتهم الأولى مع الحضارة الطارئة التي أقبلوا عليها وأقبلت عليهم من غير استئذان فأصبحوا ضحايا صراع بين ماض لا زال حيا في نفوسهم وفي وسطهم الذي وجدوا فيه، وبين حاضر ليسوا مهيئين لقبول جميع ما فيه، ولأنهم لا يحسنون الاختيار، ولأن الاختيار عملية شاقة وموطن من مواطن الزلق يوشك من حام حول حماه أن يقع في هوة الاضمحلال وفناء الذات. فهم ضحايا تنازع عوامل مختلفة راسبة في أعماق النفوس وطارئة تهاجمهم وتريد أن تقتلع ما كان قبلها من تراث روحي ونفساني كونته لقرون في نفوس أجيال متعاقبة وليس من اليسير اقتلاعه لغرس غيره في منابته.

وسنترك الحديث عن ذلك كله في هذه العجالة التي نريد أن نخصصها لهذا النوع من الأدب، ولكن من الأدب الإيراني الذي يتجلى في إنتاج بعض الكتاب والأدباء الذين أخذوا من الشهرة بفضل نزعتهم التي تمت إلى ما ذهبنا إليه أعلاه بشتى الصلات -مأخذا أصبحوا معه من الأدباء المرموقين خارج بلادهم وترجمت كتبهم أو بعضها -إن لم يؤلفوها بلغة أجنبية- إلى شتى اللغات العالمية.

واخترنا لهذه الدراسة كاتبين بل كاتبة وكاتبا وهما السيدة آمنة بكروان وصادق هدايت وكلاهما دخلا في التاريخ قبل أن يخرجا من هذه الحياة التي كان لهما منه ما لم يشاءا أكثر مما شاء.

للموضوع صلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت