فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 41
في هذه الدنيا، فمنا من يتشوق إليها ويبتهج بها، ومنا من لا يرغب في التنزه فيها أو العيش بين أجوائها كثيرا، ثم توهم الحور العين أن يكن نساء كنساء هذا العالم، فيهن الظريفة اللبقة وفيهن الغثة الباردة، وفيهن اللطيفة الروح، وفيهن المستثقلة الظل، وهكذا لما تصور كل نعمة من نعم الجنة هذا التصور الخاطئ، لم تعد الجنة في عينه بأحسن من قصر من قصور ملوك الأزمنة الوسطى في التاريخ، يوجد فيه كل ما يلذ حواسك السافلة البسيطة كالجواري والقيان، واللؤلؤ، والطنافيس والبسط، والأرائك والسرر، والأشجار والأنهار، والفواكه والشراب، ولا يوجد فيه ما يهز فيك الحس اللطيف أو الشعور الأدبي الدفيق.
والحق أن الله تعالى حين أراد أن يصف الجنة التي قد أعدها للصالحين من عباده والتي جعل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، رأى أن يصفها بلغة أهل هذه الدنيا وبكلماتهم وأساليب أدائهم، فعبر عن نزلها بالنخل والرمان، وعن مناظرها بالجنات والأنهار والغرف والظلال، وعن نفائسها بالزبرجد واللؤلؤ والمرجان، وهلم جرا، حتى يدرك الخيال الإنساني من تصور الجنة بعض الشيء، إن لم يستطيع أن يدركه كله، وكذلك حال جهنم فيما وصفت به من الهول الشديد والقعر البعيد، فكل صورة من صور عذابها المختلفة ذكرت للإنسان بهذه اللغة الدنيوية التي يفهمها، حتى يتحقق المراد بذكرها، ويرسخ خوفها في قلبه، وما اهتدى ولا شك من حصر الكلمات الإلهية في صفة هذين المثويين الأبديين في مفاهيمها الدنيوية.
والأخرى: أن صاحبنا نسى أن السواد الأعظم من الذين نزل فيهم القرآن وخاطبهم قبل غيرهم، لا بل من الذين ما زال يخاطبهم في كل زمان ومكان، هم عامة الناس وأوساطهم الذين لا يعرفون المتعة العقلية والذهنية ولا يهتزون لها مثل اهتزازهم للمتعة الجسدية والروحية، وإن كلاما إذا خوطب به خلق من الناس على طبقات عقلية متفاوتة، فإنه تراعى فيه عقلية السواد الأعظم من العوام لا عقلية الشرذمة القليلة من الخواص، لذلك أعاد الله تعالى وأبدأ في وصف النعيم والملاذ التي تعجب جميع الناس على اختلاف طبقاتهم في كل حين، وأعرض عن ذكر ما تختص به طبقة قليلة دون سائرها، بل ضمن ذلك قوله العام الشامل: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
بقي أن نذكر في الختام أنه وإن كان الطمع في دخول الجنة والخوف من عذاب جهنم، من أكبر الحوافز الإنسانية للمرء على عمل الصالحات واجتناب السيئات، إلا أن هناك درجة عليا للإيمان، ينبغي أن يسعى لبلوغها المرء، وهي أن يطمح الإنسان أبدا إلى رضا خالقه وربه، ولا يشغل باله كثيرا بتصور جنته أو ناره، ويجتهد أن يكون ما بينه وبين ربه صافيا كالمرآة في كل حين، حتى يموت في الدنيا هادئ البال، ويلقى ربه يوم القيامة بنفس راضية مطمئنة.