فهرس الكتاب

الصفحة 4112 من 5287

بالتفكير الذي يبرز ذاته من خلال أعمال ملموسة. فالمطلوب من المفكرين اليوم هو الإسهام في معركة الإنسان ضد الطبيعة وضد اختلال المجتمع، وتطبيق ما يعتقده من أفكار، أما إذا ظل المفكرون يحافظون على استقلالهم ويطالبون بالحرية، فإن ذلك سيترك المجال فسيحا لانحرافات الساسة، ولن يجدينا نفعا أن نسمع الاحتجاجات ونداءات الضمائر الحرة لأن العمل أصبح هو جوهر التفكير ومظهره الرئيسي، ولعلنا من كثرت ما ترددت على مسامعنا عرائض الاحتجاج والاندارات يبعثها أئمة الفكر والعلم، قد انتهى بنا الأمر إلى نوع من الرثاء لهؤلاء"الجبابرة الضعفاء"فنحن نذكر، مثلا، الرسالة التي بعث ها إينشتاين إلى الرئيس روزفيلت يعلن فيها ميلاد القنبلة الذرية ويحذر من عواقبها، فهل أثر ذلك الاحتجاج في شيء، إنه ما يزال يوجد فاصل بين مسؤولية العالم ومسؤولية السلطة كما لاحظ ذلك العالم الأمريكي ليون سزيلار الذي عمل على تكوين مجلس أعلى يضم كبار العلماء في الولايات المتحدة مهمته الدفاع عن السلام والحيلولة دون تسخير اكتشافات العلم للتخريب والتدمير.

وفي المقال المعنون بانتكاس الحضارة، يسرد المؤلف بعض المظاهر التي تعكس اختلال توازن الحضارة وطغيان الجانب المادي على الجانب الروحي، وبعد هذه المقدمة يقف عند نقطتين هما تفجير القنابل والميز العنصري ليتخذ منهما دليلا على إفلاس الحضارة، والنتيجة التي يستخلصها الأستاذ المؤلف هي أن ثورة إفريقيا ضد الاستغلال وضد الميز العنصري من شأنها أن تخط خلاص الحضارة وتطهرها مما علق بها من الرواسب العفنة، وأظن أن الأستاذ غلاب انساق لعاطفته فلك يعط للموضوع ما يتطلبه من التدقيق والعمق. فمثلا تفجير القنبلة الفرنسية في صحراء الركان لا يمكن أن نتخذه دليلا على"لا إنسانية"الحضارة الأوربية، إنني أعتقد أن هناك حضارة إنسانية واحدة تقترن بدايتها بوجود الإنسان وتمتد إلى آفاق المستقبل المجهول، نحن في دراستنا لبعض الخصائص الحضارية نخضع في ذلك التقسيم لمراحل معينة، لعل المرحلة المعاصرة تثبت بقوة إنسانية الحضارة واشتراكيتها بين الأمم .. فمن خلال الانتصارات الباهرة والأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الحضارة في مراحلها السالفة، يتبلور وعي جديد لدى كل القوات الحية في العالم، ويشتد الإحساس بضرورة تشييد صرح حضاري جديد تتضافر في بنائه جهود مشتركة ومفاهيم تقدمية ثورية في جميع أقطار العالم.

ولا جدال في أن الدول النامية بما فيها إفريقيا، ستضطلع بنصيب وافر في هذا البناء، لأنه يتحتم عليها أن تقنع الاحتكاريين والكرماء الحاتميين من"الدول الكبرى"أن عهد الوصاية والاستغلال قد اندثر، وأن دول ثلث العالم تعي مسؤولياتها في بناء أسس حضارية جديدة تتلاءم ومعطيات التطور الجديد.

فكرة أخرى وقفت عندها غير قليل، وهي التي عنونها الأستاذ الكاتب بأزمة القلق، والحقيقة أن هذا الموضوع يحتاج إلى كتاب خاص، لأنه من موضوعات الساعة التي تشغل الجيل المغربي الصاعد، ومن رأي الأستاذ غلاب أن أساس الأزمة مصدره فقدان الإيمان بصفة عامة، ولكن كيف نستعيد ذلك الإيمان الضائع؟ تلك هي المشكلة.

أعتقد شخصيا أن أزمة القلق بالنسبة للإنسان العربي أو بالنسبة لإنسان الدول المتخلفة بصفة عامة، تفوق في حدتها أزمة القلق عند الأمم التي بلغت مستوى حضاريا لا بأس به، ذلك أن قلقنا ينعكس في مظهرين اثنين، وهذا الازدواج يضيف قلقا على قلق فيشتد أوار الأزمة:

1 -المظهر الأول هو المظهر المشترك الذي تتجلى فيه الأزمة ممن اعتدنا تسميتها بالدول المتحضرة، وأهم هذه الأزمة هي العبثية، والشعور بالخيبة، والخوف من نشوب الحرب وقسوة المدنية .. إلخ.

2 -المظهر الخاص بالمثقف لعربي الذي يحس بعد الثقة بين ما تلقاه من ثقافة مجردة، وبين واقع أمته المرير وتخلفها المادي والحضاري، ونتيجة لانعدام ثقافة قومية متماسكة نابعة من أعماق الشعب وداعية إلى تغييره وتطويره، ونتيجة لتغلب طابع الاستيراد على ثقافة شبابنا، فإنهم يحسون بقلق حاد مصدره الشهور بالعجز أمام المسؤوليات الجام التي يفرضها الكفاح ضد التخلف ومحور الرواسب.

هذا المظهر الخاص لأزمة القلق لا يوجد في الدول"المتحضرة"، لأن مجتمعاتها توجد في حالات"طبيعية"وقد سبق لي أن عبرت لبعض الأصدقاء الأوربيين عن هذا الرأي فعارضوه بدعوى أن شباب البلاد المتخلفة يوجدون أمام مشكلة واضحة الجوانب، ذات إطار مادي، أما شباب الأقطار المتحضرة فإنهم يعيشون أزمة شاملة، مبهمة الملامح ولا يستطيعون الوصول على تحديد هيكلها بالألفاظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت