فهرس الكتاب

الصفحة 4113 من 5287

على كل، فأنا متفق مع المؤلف في أن القلق بحد ذاته، دليل على الحيوية والتفاعل، وأنه بمثابة المخاض السابق لمرحلة الاختيار، اختيار أسس الإيمان الجديد.

ننتقل الآن إلى موضوع يتصل بالأدب، وهو الذي عنونه الأستاذ غلاب بضمير الكاتب، ونفهم من قراءته أن إلتزام الأديب يجب أن يستوحيه من ضميره، وأن يكون منسجما مع صدقه في جميع الحالات، أن مثل هذا التحديد للالتزام فيه كثير من الاعتماد على ذاتية الكاتب، وهو بعد، يقتضي منا أن نحدد مفهوم الضمير وصدقه، إلى غير ذلك من العناصر التي يصعب البحث فيها لإفراطها في الخضوع لمقاييس شخصية تتباين بتباين الأفراد، وأعتقد أن مفهوم الإلتزام كما وجد اليوم، أكثر انضباطا وواقعية لأنه يضع الأديب أمام مسؤولية اختيار اجتماعي شامل، ويخرج به من نطاق الذاتية الضيقة، فلم يعد كافيا- كما قال سيكوتوري-"أن يكتب أديب نشيدا ثوريا ليقال عنه أنه ساهم في الثورة الإفريقية، بل يتحتم عليه أن يخوض غمار الثورة عمليا مع الشعب، وبعد ذلك تأتي الأناشيد عفوية على لسان الثوار".

أريد أن أختم مناقشتي لنبضات فكر بالوقوف قليلا عند المقال المعنون بالشعر ومادية الحياة، لا شك أنه موضوع يتطلب مجالا أوسع، لأنه من موضوعات الساعة في النقد الحديث، وأنا متفق مع السيد المؤلف في أن المظهر المادي الصارخ للحضارة هو أساس الانصراف عن الشعر .. ولكني أريد أن أضيف بأن الرواية والمسرحية هما اللتان زحزحتا الشعر عن عرشه، لأنهما تتوفران على إمكانيات أكثر للتحليل وتشريح مظاهر حياتنا المعقدة، وقد أصبح المثقف العادي أكثر وعيا عن ذي قبل، فأصبح لا يقبل أن ينكب على قراءة قصائد تطفح بالعاطفة والأحلام، أن الإنسان المعاصر يحاول جهده التكيف مع الظروف الجديدة للحضارة، ومن ثم يأتي تجاوبه مع الوسائل التي تهيئ له سبيل هذا التكيف، يقول المؤلف بعد ذلك، أن الشعر بالرغم من كل شيء سيستمر"لأنه وجد منذ وجدت الطبيعة، ومنذ وجدت الإحساسات الإنسانية، وحالف الإنسان في محنته، وسعادته، في حروبه وسلامه"وأنا أخالفه في الرأي وأرى أن الشعر سيستمر لأنه تفطن إلى إمكانيات التطور التي يجب أن يستغلها، وقطع أشواطا لا بأس بها في الاستجابة لها، فخرج عن الطابع العاطفي المحض، وارتاد آفاقا الميتولوجيا والفلسفة، وتطلع إلى تسجيل اللحظات الحضارية بكل ما فيها من عمق وسعة، ولا تفوتنا -في هذا الصدد- الإشارة إلى مدى التطور الذي حققه الشعر المعاصر على يد شعراء أمثال ت. س اليوت، وأبولنير، وسان جون بيرس، وبليز سندرار، وبدر شاكر سياب، وصلاح عبد الصبور.

ويذهب الناقد ماثيو أرنولد إلى أن الشعر هو الملجأ الذي ستأوى إليه القلوب الخاوية من كل إيمان .. يقول في هذا المعنى:

(إن الشعر مستقبلا هائلا، لأن الإنسانية ستجد في الشعر الجدير بهذا المستقبل، مستقرا لها يتجدد الاطمئنان إليه على مر الأيام، لقد بدأت المعتقدات كلها تتزعزع، وأخذ الشك يتطرق إلى المذاهب التي كان الناس يجتمعون على صحتها كلها، كما أخذت التقاليد تؤذن بالتداعي والإنهيار .. أما الشعر فإنه يقوم على المعنى، والمعنى بالنسبة إليه هو كل شيء) .

إننا لو تتبعنا جميع الأفكار الواردة في"نبضات فكر"لاستطعنا أن نجعل منها منطلقا لأفكار ومناقشات أخرى لا يتسع لها المجال، والواقع أن نبضات فكر عنوان يدل على منهج المؤلف الذي يمزح بين الفكر والشعور في توازن متماسك، وأسلوب مشرق، ولو أنني لم أقرأه بعقلية الناقد الذي يريد أن يفهم قبل أن يتأثر، لأعفيت القارئ من كل هذه المناقشة العقلية الخالية من النبض .. مهما يكن، فإن دنيا الفكر رحبة متسامحة تتقبل كل الآراء.

الرباط- محمد برادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت