فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص15

وكما كونت الحكومة مجلسا للإصلاح المادي، وعهدت إليه بوضع تصميم للنهوض به، فكذلك ينبغي لها تكوين مجلس للإصلاح النفسي والأخلاقي، فيضع برنامجا لذلك يصبح نافذا في مدة محددة، وإن أفضل طريقة ينبني عليها هذا الإصلاح -زيادة على المعارف الضرورية- هو التهذيب النفسي الذي ليس من مستطاع العلم وحده أن يقوم به، ما لم يؤازره الدين الإسلامي وأخلاق السلف المتسمة بالتشبع بروحه وتفكيره، مع الاقتناع بأن اتخاذها للأوربيين والمصطبغين بصبغتهم كمثال لما ينبغي أن نكون عليه يبعدنا دائما عن الغاية التي نسعى إليها، وعن ماضينا التاريخي الذي يفيدنا الاقتباس منه وعن بناته الأماجد.

نرى الأوربيين ومن انضاف إليهم متقدمين في كل شيء إلا في الناحية النفسية والخلقية فإننا نكاد نجدهم بدائيين فيها، وذلك ما يجعلنا نرى على مدنيتهم وتقدمهم مسحة من النقص، لأنهم لا يقدرون القيم إلا بالفائدة المادية الملموسة الناتجة عنها كضرب اثنين في اثنين لاستنتاج أربعة، وهذا شيء يشعر به الإنسان في كل اتصال يتاح له بهم، ومتى اتخذناهم مثالا لقوميتنا ولتربية ناشئتنا فإننا سنجلب منهم عاملا قويا للجفاف النفسي والجدب الخلقي، زيادة عما يشعر به ذلك من افتقارنا إليهم حتى في هذه الناحية.

وقد استمعت أخيرا إلى مرشد يتحدث إلى الشباب الكشفي عن الفقر والفاقة، ويدعوهم إلى التصدق والإسعاف المالي، فضرب لهم المثال بسخاء الأميركيين في هذا الباب، وبقدر ما سرتني دعوته لإيقاظ روح التضحية والإسعاف في الشباب ساءني أن يكون ذلك عن طريق قوم لا يعد ما عندهم فيه شيئا بالنسبة لما عندنا، وأشفقت أن يستقر في ذهن المستمعين إليه أننا لسنا إلا عالة على غيرنا في كل شيء حتى فيما نحن أثرى منهم فيه، وأوثق فيه صلة بالسماء ومنبع الرحمة والإحسان.

وقد كان في إمكانه أن يؤثر عليهم كثيرا، وأن يحيي في نفوسهم الاعتزاز بماضيهم التاريخي لو أنه استدل لهم على دعوته بأدلة الإسلام وقص عليهم ما كان للمسلمين الأولين في ذلك، وإن قصة مواخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار إلى درجة اقتسام الأموال، لكافية وحدها في ذلك، وأن يتطرق من هناك إلى ءاية ?وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ? [الحشر: 9] ، وإلى أسرار الأحاديث النبوية الواردة في الصدقة كقوله عليه السلام (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه) . وكقوله عليه السلام: (ما نقصت صدقة من مال، وما مد عبد يده بصدقة إلا ألقيت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ولا فتح عبد باب مسألة له عنها غنى إلا فتح الله له باب فقر) ، وأين حكمة الحكماء ونصح الناصحين من هذه التعليمات السامية.

ومن تربية الإسلام لأهله أن الوزير الأديب الصاحب بن عباد أمر صاحب فراشه بوضع دينار كل مساء عند الفراش ليتصدق به الوزير أول ما يخرج من الغد، عملا بالحديث الشريف (باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة) ، فأصبح ذات يوم ولم يجد الدينار، فاغتاظ خوفا من أن يصاب بالبلاء الذي ترفعه الصدقة، فلما سأل خادمه اعتذر بالنسيان، فأمر أن يتلافى الأمر بالتصدق بجميع فراش نومه على أول من يصادفه في الطريق.

وإذا كانت المدنية الأوربية والأمريكية تدعي اليوم أن فيها أفرادا يحترفون التسول ويأنفون من اطلاع أولادهم على ذلك حتى لا يتهاونوا في تعاطيه، وحتى لا تنكسر نفوسهم أمام رفاقهم في المدارس والمجتمعات، فإن الذي كان حق حظه فراش نوم الصاحب رجل من هذا القبيل، يحترف التسول ويكتمه عن زوجته وعن بنته الشابة المخطوبة، فلما أرادت الزواج لبيت بعلها طالبت والدها بجهاز مثيلاتها، ولكن من أين للمحتاج المتسول أن يلبي رغبة بنته، ومع ذلك فحتى في هذه الحالة لم يجرؤ على مكاشفتها بالحقيقة، فسلم أمره إلى الله وبقي ينتظر منه الفرج، وبينما هو سائر في ذلك الصباح ومعاول الهموم والقلق تتناوب على رأسه، إذا بخادم الوزير يستدعيه ويسلم الفراش، فيصعق المسكين لهذه المصادفة الغير المنتظرة، فيطلع الوزير على أمره فيحسن إليه بما يزيد رأسه رفعة وشموخا أمام بنته، ويحمد الوزير الله على أن جعله سببا لحل هذه الأزمة.

وحتى إن أمكن أن تكون للأوربيين والأميركيين فلتات في مثل هذه الأريحية فإنها استثنائية بالنسبة إليهم، أما نحن فإنها عندنا من صميم ديننا ومعتقداتنا.

ثم إن تاريخنا يزخر بكثير من مثل هذه المشاهد، فلماذا لا نحييها ونجعل منها عبرة لشبابنا وناشئتنا؟

وإذا اعترفنا مخلصين، للأوربيين والأميركيين بالتقدم الباهر في الماديات على اختلاف شعبها وطرقها ?

-البقية على الصفحة 26 -

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ... ص26

-تابع الصفحة 15 -

فليس ذلك لأن الطبيعة حبتهم بشيء زائد عما حبتنا به، وإنما لأنهم مارسوا ذلك عدة سنين حتى تفوقوا فيه، في حين أننا أهملناه حتى عظم علينا أمره فتهيبناه ثم حيل بيننا وبينه، فإذا أخذناه عنهم اليوم ومهدنا له بالتقويم الخلقي، وحصناه بأمانة الإسلام ورعاية الضمير، فلا شك أننا سنبلغ فيه ما لم يبلغوه، ولا شك أن تلك هي الغاية التي نوفد من أجلها طلبتنا إلى البلاد الأجنبية، والتي تجتلب لها حكومتنا الخبراء والفنيين بالأموال الباهضة لمساعدتها في مشاريعها.

وبعد فإن توحيد التفكير في الأمة يساوي بين اتجاه أفرادها، ويقوي الثقة بينهم، ويقضي على اختلاف نزعاتهم وأهوائهم، ويقرب بين أنظارهم وآرائهم ويمهد العذر للمسؤولين أمام سائليهم ليساعدوهم في المهمات ويهونوا عليهم الصعوبات، وينقادوا للتعليمات دون ضغط أو إكراه، لاقتناعهم بأنها في صالحهم العام، ومن ثم كان كل ما يؤدي إلى هذه الغاية واجبا تتعين المبادرة إليه. والله الهادي والموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت