فهرس الكتاب

الصفحة 4643 من 5287

المصلي وهو يدخل المسجد مستسلما خاشعا لأنه سيسمع قبسا من القرءان وقولا حكيما من روح الإسلام، فيجلس في خشوع وإنصات منتظرا الكلام المنفس، وما العلاج النفسي ألا تنفيس وتفريغ للطاقة المريضة والهواجس المتعفنة والأحقاد المكظومة.

وللعلاج النفسي الكلينيكي لمرضى العقول كالمجانين وهذا النوع له مجالسه في المستشفيات العقلية الخاصة ـ وتنتهي أنواع العلاج عند أخصائي التوجيه والإرشاد كما هو الشأن في المدارس والمصانع والمؤسسات الاجتماعية، وهذه جميعها تشتمل على خبير نفسي يقدم النصائح ويوجه العمل وتوجيها نفسيا خاصا، وهذا الخبير هو أقرب الناس إلى ما يقوم به الخطيب في المسجد، إلا أن الأول يعمل للدنيا والثاني يعمل لوجه الله أولا، ولإسعاد المؤمنين أخيرا، أي أن الدافع مختلف ولكن الغاية تبقى هي هي سواء هنا أو هناك.

والمعهود في التحليل النفسي أن العلاج الناجح يقوم على عناصر ثلاث: طبيب بارع وبصير، ومريض يكشف في صدق وطمأنينة ما لديه من علل بطريقة واعية أو غير واعية (كما هو الشأن في التنويم المغناطيسي وتداعي الأفكار) ، ثم كلام متبادل بين المريض والطبيب، وهذه العناصر قائمة داخل المسجد حيث أن هنالك الإمام الواعظ ثم المصلون أو المستمعون إلى دروس الوعظ، ثم كلام صادر وقائم من طرف واحد مما يجعل المصلي في موقف سلبي فتكون العناصر الثلاثة السابقة ناقصة قليلا، وإذا كان هذا الركن مفقودا فمن السهولة بمكان أن يتغلب عليه الخطيب الصادق أو الواعظ المستنير، فهو يستطيع معرفة مشاكل المؤمنين القاصدين إلى المسجد، بطريقة غير مباشرة باستقاء هذه المعلومات من منابعها العامة كمراكز الشرطة ومجالس المحاكم الشرعية والمدنية ومن أنباء الصحافة المحلية ومن مخالطته الشخصية ومعارفه من الناس حتى يتعرف على المشاكل الواقعية والجارية في مجتمعه الصغير حتى إذا ما وقف ليخاطب المؤمنين كان حديثه في محيط تلك المشاكل الخاصة والعامة التي تكون أحداث الساعة.

والقاعدة التربوية الحديثة التي تؤمن بها المدرسة المعاصرة هي أن تجعل التعليم والتثقيف مستمدا من صميم المجتمع المادي والبشري المحسوس، وإعداد من غير هذا القبيل سوف يبقى معزولا عن الحقيقة الخارجية والواقع الحي، والمسجد في ثوبه الجديد هو من صميم المجتمع أو هو كلمة الله لمؤمني القرن العشرين الذين يعيشون مشاكل معينة، لقد نزل القرءان ليخاطب عقول الناس باللغة والمعاني والمقاصد التي تتجاوب مع حاجاتهم، فلماذا نخرج عن القاعدة القرآنية الأولى فنخاطب الجمهور في مشاكل بعيدة عنه وتقدم له ما لا يشاهد في البيئة العربية الإسلامية الجديدة.

فالمسلم في عصور ازدهار الدولة الإسلامية لم يكن يعرف عقد النقص أمام حضارة أخرى أقوى وأغنى، لأن الدولة الإسلامية العتيدة كانت تحميه وتجعله في اعتزاز بما لدى المسلمين من علم وثقافة وازدهار مدني وصولة عسكرية، أما اليوم فإن التفوق الظاهري للغرب من شأنه أن يزعزع الاعتداد ويدخل على النفس الشك والظنون بعظمة الإسلام وخاصة على هؤلاء الذين يجهلون فلسفة الإسلام ومقاصده الإنسانية الخالدة، بل ويكتفون بالحكم الظاهري السطحي.

ومن التعاليم الشائعة الجارية اليوم الفصل بين متطلبات الروح وبين حاجيات الجسد، وفلسفة الغرب هي انعكاس لهذا المفهوم فما لقيصر لقيصر وما لله لله، وهذه الفلسفة سرت في المجتمع العربي المسلم ولم يعد هنالك ربط بين أوامر الله ونواهيه من جهة وبين سلوكنا اليومي وأعمالنا الخاصة.

والمسلم الحافظ على تعاليم الإسلام الحقيقية في جهاد عنيف أمام مغريات الجسد والجنس، وهو إن لم يجد ما يرفع من معنوياته ويبدد تلك الغيوم، غيوم الشك والارتياب فسوف يضعف وينجرف مع التيار، وخلاصة القول أن المسلم في هذا العصر المضطرب في إرهاق نفسي وتعب فكري وهو حينما يدخل إلى المسجد يدخله دخول المريض إلى المستشفى لأنه أتى طلبا للغذاء المفقود والدواء الشافي ـ وهنا يظهر الدور الخطير الذي يلعبه المسجد في عصرنا الحديث لأنه الملجأ الوحيد الذي يستظل تحته المؤمن ويستقي منه الثقافة الإسلامية القويمة، ويقدم له الحل الإسلامي لمشاكله الدائمة ويوجهه الوجهة التي يرضاها الله حتى إذا ما دخله عابس الوجه يائسا بائسا فسيخرج منه طلق المحيا باسما متهللا لأنه مكن من المفتاح الذي سيحل له الأبواب المغلقة أبواب السعادة والرضوان.

وهران ـ جمال الدين بغدادي القادري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت