فهرس الكتاب

الصفحة 2200 من 5287

صعيد آخر، ان الحقيقة في الفن تكمن حيث تتجاوز الحياة إلى سمو، وأن عبقرية القصة تحيي الممكن، ولا تحيي الواقع مرة أخرى».

لا أتهم هذا الكلام بأنه غير مفهوم البتة، بل قد يكون هناك من القراء الأذكياء من يهتدي إلى مغزاه لأول قراءة، ولكني أعترف بأني لم أستطع أن أفهمه تماما حتى بعد قراءته مرارا متعددة.

ان الوضوح في التعبير من أبرز محاسن العبارة وأهم أركان الأسلوب، وعلى الكاتب واجب نحو القراء لا ينبغي أن يغفله بحال، هو أن يكون واضحا في كلامه ولا يكلفهم من كد النظر وتعب الفكر ما يشق عليهم، والوضوح في التعبير لا يعني السذاجة في الكلام، فإذا دعونا إليه فلا ندعو إلى أن ينزل بالكلام إلى درك السهل المبتذل الذي يفهمه الغبي والذكي على السواء، وفي تاريخ الأدب العربي كثير من الأدباء والكتاب كتبوا بأسلوب عال هو أبعد شيء عن السذاجة ولكنه لم يجد الغموض إليه سبيلا، فأسلوب الجاحظ من القدماء وأسلوب الإبراهيمي والزيات -مثلا- من الاحياء يمتاز بجزالة اللفظ وفخامة التركيب ورونق الديباجة، ولكنه أسلوب واضح في كل حال، تتجلى فيه عرائس المعاني ظاهرة للعيان، ولا يكلفك فهمه واجتلاء جماله الأدبي كثيرا من الجهد والعناء، وفي الأدب الانكليزي تعرف شكسبير وملتن وبرك ورسكن ممن كتبوا بأسلوب محكم جزل لا يمكن أن يوصف بالسذاجة والسهولة ولكنه لا يمكن كذلك أن يوصم بعدم الوضوح.

ومن أصحاب الأسلوب المتأنق رجال شعروا بواجبهم ذلك نحو القراء شعورا تاما، فكلفوا أنفسهم مشقة التهذيب ليكفوا قراءهم مشقة التفسير والتأويل، وقد قال الأستاذ سعيد العريان عن نابغة كتاب العرب المغفور له مصطفى صادق الرافعي: انه كان قد اتخذني عقلا متوسطا من القراء، فكان يملي على العبارة من مقاله ثم يسألني ماذا فهمت مما كتب، فإذا كان ما فهمت يطابق ما في نفس، مضى في املائه وإلا عاد إلى ما أملاه بالتغيير والتبديل حتى -يتضح المعنى ويبين المراد، كذلك يعرف عن القصصي الفرنسي موليير أنه كان يقرأ مسرحياته على طاهيه قبل أن يسلمها للنشر، ومثل ذلك واظب عليه سوفت.

هذا في النثر، وتماثله الحالة في الشعر، فأجزل الشعر العربي وأعلاه لغة لدينا هو الشعر القديم، ولكنك إذا تأملت معانيه وجدتها صافية كجو الصحراء ساذجة كطبع البدوي، لا يعاظلها تفلسف ولا يعقدها اغراب، وكل الصعوبة في الشعر الجاهلي هو في الأسماء والمفردات، فكثير من الالفاظ قد أمست متروكة بتراخي الزمن، وكثير من أسماء الأمكنة والجبال والمياه قد اختصت بزمان الشاعر وبيئته فلا يعرفها القارئ العربي اليوم، فالمرء إذا قرأ اليوم قول امرء القيس -مثلا- في صفة ناقته التي ركبها في سفره إلى بيزنطة:

(كأن صليل المرو حين تشذه

صليل زيوف ينتقدن بعبقرا)

ولم يفهم معناه كله لأول وهلة فمرد ذلك إلى أشكال المفردات، ولو أنه علم أن (عبقر) اسم مكان زعموا أنه تسكنه الجن ثم نسبوا إليه كل دقيق من الصناعات والأعمال، وان «المرو» : الحجارة التي نعرف بالصوان ومنه المثل: قرع الدهر مروته، و (اشذه) كلمة غريبة بمعنى أقصاه ونحاه، لو أنه علم هذا كله لتجلى له قول الشاعر واضحا كالشمس ليس دونها غمام، وهو أن صوت الحجارة حين تفرقها وتطيرها الناقة بسرعة سيرها كصوت الدراهم المزيفة التي ينتقدها الصير في بعبقر.

ولكن هل مثل ذلك يقال في الشعر المعاصر؟ الحقيقة أن الأمر على العكس من ذلك، فأكثر شعرنا المعاصر مغلق لا لغرابة الالفاظ وشذوذها بل لخفاء المعنى وغموضه. وغموض المعنى لا شك أشد وأصعب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت