فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
من غرابة الألفاظ، وقد أدى ذلك إلى هذا النفور المتزايد من المنظوم، مما أصبح به باب الشعر في مجلة آخر مايلتفت إليه من الأبواب، وهذا لا يخص الشعر العربي، بل الشعر الإنكليزي أيضا قد آل إلى هذا الهوان لا لشيء إلا ذلك الغموض والتعقيد الذي تنبو عنه اسماع القراء، ومذ أمد غير بعيد احتج الناشرون للكتب في لندن أنه ما عدا شاعرين أو ثلاثة لا تروج دواوين الشعراء عامة، والقيام بنشرها في هذا العصر مدعاة للخسارة المالية الباهظة، وقد قلق لهذه الحال نفر من الشعراء الانكليز فتقدموا إلى مجلس الفنون يستنجدونه في هذه النكبة، وغدا المجلس يفكر كيف يمنع هيكل الشعر من التداعي والانهيار، أهو يطيع الشعر على حساب الأموال العمومية لديه، أم يلتمس للمشكلة حلا آخر.
وإذا عيب على الشعراء هذا الغموض في نتاجهم الشعري فإن دفاعهم عن أنفسهم يختلف ويتباين، فمنهم من لا يعترف بالغموض في شعره أصلا، بل هو يلوم القراء على أنهم لا يسبرون غور معانيه العميقة بجد وعناء، ومنهم من يعترف بغموض كلامه، ولكن حجته في ذلك أن هذه الدنيا التي نحن نعيش فيها اليوم هي بنفسها غامضة متعقدة بمشاكلها النفسية والخلقية والاقتصادية والسياسية، لذلك كل من صدق تأثره بها فلا بد أن يكون غامضا، فالأول ينكر عيبه وتقصيره ولا يأتي على ذلك بدليل ناهض، والآخر يعترف بقصوره الأدبي ولكنه يبرر ذلك بحجة لا تستقيم، وبطلانها ظاهر، وذلك أنه إذا ازدادت حياتنا اليوم عقدا ومشاكل وجب أن يكون رد فعله الأدب الصافي النير الذي يغذي الروح وينير الطريق لا الأدب الغامض المبهم الذي يزيد ظلام حياتنا ظلاما ونفسنا الحرجة ضيقا واضطرابا.
إن الغموض يتطرق إلى الكلام من جهتين:
1)من جهة التأليف و2) من جهة الترتيب، أما من جهة التأليف فإن تتنافر المعاني والكلمات، فتكون المعاني سامية والألفاظ بسيطة لا تساوي قيمتها، وهذا ما يقع فيه الفلاسفة وأولوا الفكر السامي في الأغلب، أو تكون المعاني غثة والألفاظ جزلة منمقة تعثر فيها المعاني وتحتجب، وهذا ما يسقط فيه هواة الزخرفة البيانية والصناعة اللفظية قدماء كانوا أو محدثين أو تكون المعاني أجنبية والألفاظ عربية لا يبالي الكاتب أن يزاوج بينهما بالبراعة والحذق، وهذا يغلب على أكثر المثقفين بثقافة الغرب اليوم، وأما من جهة الترتيب فإن تضعف الصلة بين جملة وأخرى، وبين معنى وآخر، وبعبارة أخرى يضمحل في الكلام ارتباط منطقي هو من لوازم البلاغة والوضوح.
والغموض الفاشي في كلام الكتاب العصريين هو من جهتي التأليف والترتيب كليهما، وقد بلغ من سيطرة المدنية الحديثة والأفكار الغربية على أذهان الجيل الناشئ أنهم أصبحوا يفكرون بالذهن الغربي وبلغة الغرب، فإذا دعتهم الضرورة إلى أن يعبروا عن فكرهم بلغة الضاد التي تنقص فيها بضاعتهم لقلة المزاولة وضؤولة المطالعة وفساد الذوق جاءوا بكلام أوربي في لباس عربي، وقد مر النموذج من ذلك فيما اقتبسناه آنفا، وأحسن هذا النوع من الكلام لا يعدو أن يكون ترجمة من إحدى لغات الغرب إلى اللغة العربية، ومن ثم يصدق قول الأستاذ النحوي الكبير تقي الدين الهلالي المغربي: «قد أصبحت أمة العرب كلها مترجمين» .
وضعف الترتيب في المعاني والأفكار مبثوثة أمثلته على صفحات الجرائد والصحف لهذا العصر، ولولا خوف الإطالة لسردنا أمثلة من الكلام الذي يأتي غموضه من قبل تشوش الأفكار وعدم ترتيبها.
والوضوح في التعبير ليس عسير المنال، انه يتطلب شيئا واحدا هو التعني والعمل وتحري خدمة الناس دون التعاظم في أعينهم، وذلك أن يتكلف المرء بعض الجهد في الكتابة ويتجنب ارسال الكلام على عواهنه، وانا نعتقد أن معظم الكتاب لعصرنا هذا لا يدخل في كلامهم الغموض لضعف أداتهم أو نقص ملكتهم، بل لكسلهم وفرارهم من كد التهذيب، ولو أنه يضع أحدهم نفسه موضع القارئ لم يرض بكلامه المرتجل الغامض وأحس من نفسه الحاجة إلى تهذيبه وتبيينه.
وبينما كان اعراض بعض الكتاب عن التروي في الكتابة آتيا من طبيعة هذا العصر الآلي العجول الذي قلما يدع للمرء من هدوء الخاطر أو فراغ الوقت ما يمكنه من القيام بعمل جدي يتطلب الصبر، إذا هناك أناس يقدحون في تلك العناية بالأسلوب ذاهبين إلى أن كل عمل على التجويد لا جرم يسلب الكلام طبيعته وسذاجته ويورثه بدلا منها الزخرفة التي تخالف روح هذا العصر، وبجانب هؤلاء أناس يحبون التروي والتعمل في الانشاء عنوان العجز وضعف الملكة، ولكن كلتا هاتين الطائفتين بعيدة عن الصواب، يفند زعمهما ما اطلعنا عليه من عادات بعض العباقرة الأفذاذ في الكتابة.