فهرس الكتاب

الصفحة 2202 من 5287

فهذا أناطول فرانس صاحب الأسلوب الفرد باللغة الفرنسية، قيل أنه كان يكتب القطعة من النثر مرتين وثلاثا وأربعا حتى يطمئن قلبه بأنها بلغت الكمال الفني، ثم يأتي كلامه بعد هذا التعمل سلسا كالمطبوع المترجل، وشاتوبريان أمير النثر الفرنسي غير مدافع كان يبتدئ الصفحة ثم ينظر فيها مرات وفي كل مرة يحرر ويغير ويحذف ويضيق، ويقول بسكال أنه حرر بعض فصول البروفنسيات خمس عشر مرة، وفي شبه القارة الهندية عرف الإمام أبو الكلام الدهاوي (1) بروعة بيانه وسحر كلامه باللغة الأردية كتابة وخطابة، كان البيان طوع يده يصرفه كيف يشاء، وان قلنا فيه أنه لم يكتب أحد باللغة الاردية بأسلوب أجزل وأفخم من أسلوبه لم نبالغ، قد بلغنا عن هذا العبقري انه كان يكتب العبارة ثم ينظر فيها ثانيا ويستبدل بجملة منها جملة أخرى يكتبها فوقها، ثم ينظر ثالثا فينسخ الجملة الثانية ويأتي بخير منها يكتبها فوقها، حتى إذا شغل فراغ ما بين السطرين كله الصق على الموضع قطعة بيضاء من الورق ومضى في عمل التهذيب والتشذيب على هذا النحو، ولربما يغير الإمام عباراته وهي قد طبعت وجاءته ملازمه للنظر فيها ولكن كلامه على رغم كل هذه الصنعة والعمل متى نشر، فإذا هو مشرق كالشمس متسلسل كالماء المنحدر، لا ترى عليه مسحة من الصنعة والزخرفة، بل هو بهجته وصفائه كأنه تنزيل من سماء البلاغة والبيان، ومن أصدق قولا من صنعة الكتابة من الدكتور جانس، ذلك العملاق اللغوي الإنكليزي الذي فاق أهل زمانه في اللغة والأدب، فقد قال: «كل ما يكتب بدون مشقة وجهد يقرأ بدون متعة ورضي» . ورأى آخر ما هو متصل به وقريب منه فقال: «ان لم يكن الكاتب نشيطا في كابته لم يكن القارئ نشيطا في قراءته» .

على أننا لا ننكر أن هذا الجهد المندوب إليه في عمل الكتابة يجب أن يعالج بالحذق والبراعة والاحتياط، حتى لا يظهر أثره واضحا على الكتابة، بل ينبغي أن يبدو الكلام كأنه انتجه الكاتب بدون مشقة وتعب، وإذا ظهر التعمل والجهد في نتاج الكاتب فظهر التكلف البادي والزخرف الكاذب فذلك هو الخرق بعينه، وذلك هو العي الذي ليس بعده عي.

أما بعد فلعل الكاتب أوضح المراد بكلمته الموجزة هذه في مدح الوضوح والحض عليه والترغيب فيه، ولم يكن من الذين يحضون غيرهم على عمل خيرهم أنفسهم راغبون عنه أو متهاونون فيه، مصداق قول الله عز وجل: «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، وأنتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون؟»

(1) توفي بدلهي قبل سنتين وهو وزير المعارف في الهند.

من الفلاسفة العرب الذين كانوا يتعمدون ايجاز الكلام الفيلسوف المراكشي أبو العباس المعروف بابن البنا العددي صاحب التآليف في علم الهيئة وغيره.

ومن شعره في هذا المعنى. قوله:

قصدت إلى الوجازة في كلامي، لعلمي بالصواب في الاختصار

ولم احذر فهو ما دون فهمي ولكن خفت ازراء الكبار

فشأن فحولة العلماء شأني وشأن البسط تعليم الصغار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت