فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال لي يوما: أنني اشتراكي شيوعي.
وابتسمت فعاد يقول: بوسعك أن تبتسم، ولكن .. يجب أن تثق أنني اشتراكي شيوعي مائة في المائة.
قلت: غنني لا أفهم الشيوعية الاشتراكية ..
فمد يده إلى جيبي بلا كلفة، ثم أخرج منه علبة السجائر، وأخذ لنفسه بعضا منها، ثم ناولني الباقي قائلا:
-هذه هي حقيقة الاشتراكية الشيوعية، إنني لا أملك الآن سجائر، وأنت تملك كثيرا منها، فلنشترك أنا وأنت فيما تملك ولا أملك ..
وقهقهت هذه المرة لمفهوم الاشتراكية والشيوعية عند الرجل. وبعد أن أشعل سيجارة، عاد يقول:
-أترى إلى جلبابي، أنني مستعد لأن أجعله ملكا مشاعا بيننا إذا أردت، ولكنك لن تريد طبعا .. إن .. وسكت فجأة، فقد رأى صاحب العمارة الشيخ محمود، وهو قادم في خطاه المتزنة، وبيده «عكازه» الذي لا يفارقه أبدا. ومر بنا الشيخ دون تحية، «وعكازه» يضرب الأرض في نغمة واحدة متتالية، والتفت إلي «عم محمود» البواب ليقول:
-كم يكرهني
-لماذا؟
أجاب وعلى شفتيه ابتسامة مزهوة:
-إنه يكرهني من أجل ابني رشيد وابنتي فاطمة، لقد حاول عدة مرات أن يصبح هو الآخر أبا بلا فائدة، ومرت زوجته كما مر هو بكل عيادات الأطباء، ودار لقمان على حالها.
-ألهذا يكرهك؟
-وهناك شيء آخر، هو هذا الاسم المشترك بيننا، فهو لم يقبل قط أن أكون أنا «محمود» وهو «محمود» مع أنني مجرد بواب للعمارة التي يمتلكها، لذلك لا تراه يناديني إلا باسم البواب.
وأطفأ سيجارته في عصبية لم يكن هناك داع لها، ثم قال:
-أتعرف لماذا سميت ابني «رشيد» ؟
قلت: لماذا؟
وعادت ابتسامة الزهو على شفتيه، ثم انطلق يشرح لي: أنا اشتراكي شيوعي كما قلت لك، ولا أرى أي معنى لأن تبقى الأسماء بالميز، اسم رشيد للسادة أصحاب العمارات والأملاك، والبواب مثلي لا يخرج عن الأسماء القديمة البالية، لقد كنت في هذا أول بواب خرج على القاعدة!
عرفته منذ سنتين، وكان يلبس نفس الجلباب الرمادي الذي أتاني به منذ أيام، بينما لم تتغير الجريدة الكالحة في يديه.
منذ أيام وجدته ينتظرني، وقد بدت علائم الاهتمام على وجهه، وعندما مددت يدي لتحيته، وجدته يقبض عليها في شدة، ثم قال:
-جئتك في أمر ذي بال
قلت: خيرا عن شاء الله.
قال: -كل الخير- إنما ..
وأرخى يده في حركة استسلام، وبعد أن أخرج لسانه ليبلل شفتيه، وجدته يقول:
-لقد جاءني الشيخ محمود صاحب العمارة؟
-لماذا؟
-أراد مني أن أترك له ابنتي «فاطمة» ليتبناها إنني لا أستطيع ذلك .. فاطمة، الصغيرة التي لا تتجاوز السابعة من عمرها، لكم أحببتها ..
-ولماذا لا تستطيع؟
-ومن يستطيع أن يتخلى عن ابنته؟
قلت ألست شيوعيا اشتراكيا؟ أنسيت السجائر المقتسمة .. وحكاية الجلباب.
قال: ولكن الشيوعية لا تدخل في الأبناء أيضا، تكون الشيوعية في السجائر، في الأشياء التي لا علاقة لها بالروح، بالعاطفة، أما الأبناء، إنني لم أقرأ في «الجريدة» شيئا من هذا.
قلت ضاحكا: ولم لا تخرج عن القاعدة، وتكون أول بواب يفعلها، ويعمم الشيوعية حتى يدخل فيها الأبناء، أنك تملك رشيد وفاطمة، وهو لا يملك منهما شيئا.
ونظر إلي في عتاب حزين: ثم قال:
-جئت أطلب عونك، فإذا بك تعين الشيخ .. هل تريد أن أترك له فاطمة ليتبناها كما قال، ولتكون خادمة كما لم يقل؟