فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم أن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف - رهط محمد- على قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم) وإذا بالمجلس يتفق بالإجماع على هذا الرأي وتواصوا بعضهم بعضا بسريته حتى ينفذ، وبهذا الرأي ختمت الجلسة، وإذا بالوحي ينزل على محمد المصطفى من عالم الغيب وعالم ما في الصدور يخبر نبيه وصفيه بما يبيت له في الخفاء من مكر وسوء قائلا له وهو اصدق من قائل: (وإذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وها هو الرسول الأعظم مع الصديق في جبل ثور على مسافة ساعة من مكة مختفيا في غار حراء بعد ما جهر بالدعوة ثلاث عشرة سنة داعيا ومبشرا ونذيرا، داعيا لله ومبشرا بدينه الحنيف، فما أشدها ساعة على الرسول وهو في الغار ثلاثة أيام ولا نصير له الا الله (ألا تنصروه فقد نصره الله) .
وقاية الله أغنت عن مضاعفة
من الدروع وعن عال من الأطم
نعم فما أشدها من ساعة على الرسول: جوعا وعطشا ودما يتقطر من قدميه الشريفتين، وهو في الغار بعد ما فارق الأهل والقوم والوطن والكعبة، لقد خرج من ارض الوطن مكة المركمة أول ربيع الأول موافق (يونيه سنة 622م) حيث يشتد الحر وتتوهج الصحراء ولا ذنب له إلا أنه يقول ربي الله ويقول: (اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) نعم، خرج عليه السلام من مكة مهاجرا وبخروجه منها انقطع ذكرها، وحل بالمدينة وبحلوله فيها ظهر شانها ورفع الله ذكرها، وأتم الله نوره فيها رغم كيد المشركين.
آخى يومئذ بين المهاجرين والأنصار، والأوس والخزرج، وطمأن يهود يثرب على حياتهم وأموالهم وأهليهم، وها هم أشرافها يتسابقون على نزوله عندهم ... فهذا مسجده يقام، وها هو الأذان يشرع فيجلجل صوت بلال في المدينة (الله أكبر حي على الفلاح) وها هم أهل المدينة يدخلون في الإسلام أفواجا أفواجا، يحملون الهدى للأرواح الجائزة، والسلام للنفوس المحروبة، والألفة للقلوب المختلفة، فسارت الإنسانية في طريق الحياة على ضوئه تنعم بالإخاء في الدين، وتتمتع بالمساواة في الشريعة، فلا عصبية تزرع الأحقاد وتنشر الفرقة، ولا امتياز في الجنس أو في اللون أو في الثروة يوجب الاستعباد ويقتضي الظلم، وها هو الرسول الأعظم يتلوا قول الله الكريم:
(إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا) وها هو يقف على باب الكعبة بالقرب من دار الندوة حيث تآمرت قريش على قتله منذ ثمان سنوات فيقول: (لا إلاه إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده يا أهل مكة؟ ماذا ترون اني فاعل بكم؟ قالوا"خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء) ."
لا يحمل عليه السلام حقدا ولا ضغينة ولا يريد انتقاما، إنما يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، وان تكون كلمة الذين كفروا هي السفلى، وقد كان كل ذلك، فلا غضب ولا انتقام، وتدوي جزيرة العرب كلها بلا اله إلا الله محمد رسول الله.
ثم ذهبت أيام وجاءت أيام، وتولى عمر بن الخطاب، ومضى على خلافته سنوات والعرب تؤرخ بالأحداث العظام، فيقولون: حدث ذلك عام الفيل، وولد فلان بعد عام الفجار بسنه فيجمع عمر بعض الصحابة يستشيرهم: أي الأحداث أولى أن يكون مبدأ التاريخ الإسلامي؟ أولادة النبي عليه السلام؟ أم وفاته؟ أم نزول الوحي عليه في غار حراء؟ ويقترح علي أن يكون الهجرة فهي مبدأ نجاح الدعوة، وانتشار الإسلام، ومحق الشرك، فكان كما قال، وكانت الهجرة في الربيع الأول، وكان هذا التشاور في السنة السابعة عشرة، فأضافوا الأشهر السابقة على ربيع حتى يبدأوا بما اعتادوا به بدء السنة وهو المحرم، وجرى الأمر على ذلك، ثم حمل خلفاء الرسول رضوان الله عليهم أجمعين منذ ذلك مصباح الهداية وزمام القيادة من بعده، ثم استاروا بسيرته، واستنوا بسنته فأورثهم الله تلك الأرض وملكهم قيادة العالم، فقادوه على بصيرة وساسوه على دراية، فكان كتاب الله هو الدستور، وحكمه هو القاضي، وسنة نبيه هي الخطة فلما ابتعد المسلمون عن مشرق النور واعرضوا عن الذكر، غشيتهم الغواشي، فضلوا وجهة أمرهم وجهلوا غاية قصدهم، وتفرقوا شيعا في الضلال، وأصبح كلام الله على ألسنتهم ألفاظا لا معنى لها ولا رجع منها، فافلت من أيديهم زمام الأمر، وسلب الله من أعدائهم الرعب منهم، فتقهقروا إلى مؤخرة الركب، ثم تتابعت