فهرس الكتاب

الصفحة 906 من 5287

دوائره، أعني من معناه الخاص إلى معناه العام، فلا نفهم منه هذه النماذج النثرية، هذه القصائد الشعرية وهذه التوقعات والخطب، وهذه الرسائل والكتب، ولكننا نتجاوز ذلك إلى آفاق أخرى، هي من الأدب أيضا غير أن سير التاريخ الأدبي أشاح عنها مهملا لها، وتركها غير متلفت إليها ... وكان من أقرب نتائج هذا الإهمال أننا أفقرنا الأدب وزرعنا الجدب في الدراسة الأدبية: أفقرنا الأدب لأننا اقتصرنا فيه على هذا القصيد والنثر الفني، وهما كما تحس في نفسك أشد الأنواع تعلقا بالتقاليد الأدبية، وجمودا على القوالب المعهودة، استجابة إلى الماضي البعيد، فلم نصل بينه وبين الآفاق الفكرية الواسعة، في التاريخ أو الفلسفة أو في التصوف ـ إلا نادرا ـ .. وإنما كان عملنا أننا جعلناه حبيس هذه الموضوعات وسجين هذه التقاليد، وأحسب أن جمود الأدب العربي وقلة فقدان التجاوب بينه وبين ميادين الفكر في الدراسات الإنسانية ن التي تشترك معه في كثير من المعالم والمظاهر .. وزرعنا الجدب في الدراسة الأدبية لأننا كنا نضيق آمادنا ونطوي أجنحتنا، ونجعلها تعيد وتبدي في هذه الآثار الأدبية لا تتجاوزها، على حين تشهد إلى جانبها ألوانا من الأدب الرفيع لا تصرف إليه جهدها، ولا تلفت إليه همها .. إننا نؤمن جميعا في دراستنا الأدبية أن القرن الثامن كان من عصور الانحطاط الأدبي، ولكننا حين نمد معنى الأدب، نشهد أن مقدمة ابن خلدون كانت مثالا أدبيا رائعا، تستحق التمهل الطويل، والدراسة العميقة التي تغير كثيرا من موضوعياتنا وآرائنا ن ونشهد في التراث التاريخي من هذا الأدب الرفيع .. وما من شك في أن دراسته ستشيع الخصب والنماء في عملنا الأدبي، وستبعث انقلابا عميقا في أحكامنا الأدبية، ستغير لنا أن نشهد كيف يكون هذا التبادل بين الأدب وبين الدراسات الإنسانية الأخرى، كيف يدخل هذا الأدب آفاق الفلسفة والتاريخ، وكيف يكون التزاوج بين هذه المعارف .. وحينذاك نستطيع أن نتبين المذاهب الفنية في الأنواع الأدبية جميعا .. وستكون أقرب إلى الحق، والصق بالصدق، وآدني إلى الأصالة والعمق»

أرأيت أيها الأخ التازي كيف تكون الدراسة الأدبية .. كيف تكون البداية الممهدة للحكم على هذا الأدب أو

ذاك .. إنها ليست أقوالي، وإنما هي أقوال الأستاذ الدكتور شكري فيصل، خرج بها على الناس بعد دراسات «طويلة المدى» نال بها ليسانس في الآداب، وليسانس في الحقوق، وماجستير في الآداب، ودبلوم معهد اللهجات العربية بجامعة القاهرة، وأخيرا ـ لا آخرا ـ الدكتوراه في الأدب من جامعة القاهرة.

ولعلك مقتنع الآن بأن الواجب يقضي علينا ـ حكومة وشعبا ـ قبل الحكم على أدبنا المغربي الحديث بالإعدام أو العدم، بجرة قلم، أن تتضافر الجهود لجمع هذا الأدب من مظانه، فيقع الاتصال المباشر بكل شخص عرفت له مشاركة فيه ابتداء من مستهل القرن العشرين الحالي، كالأساتذة علال الفاسي، وعبد الله كنون، وعبد الخالق الطربس، والحسن الوزاني، وعبد الهادي بوطالب، ومحمد داوود، واليمني الناصري، والملكي الناصري، وناصر الكتاني، وإبراهيم الألغي، وعبد الكريم غلاب، ومحمد الحلوي، وغير هؤلاء وأولئك من شعراء المغرب وكتابه، ليقدموا ـ باسم المصلحة العامة ـ كل ما في استطاعتهم تقديمه من إنتاج أدبي مغربي، سواء لهم أو لغيرهم، وإن يفتح الباب على مصراعيه لكل من يأنس من نفسه القدرة على اقتحام «تجربة التعبير» من شبابنا، وأن نؤسس لجنة من ذوي الاختصاص للنظر فيما سيتجمع لدينا من إنتاج لتصنيفه ودراسته ثم للحكم ـ آنذاك ـ له أو عليه.

وما أحسب أن اعتمادا يخصصه القسم الثقافي بوزارة التربية والتهذيب الوطني ن وحملة منظمة تجند لها إذاعتنا الوطنية برنامجها «مجال الأديب» وتسهم فيها «دعوة الحق» و «رسالة الأديب» وغيرها من الصحف السيارة، لتحقيق هذا الغرض .. بالشيء العسير.

إنني لا أريد أن أثبت هنا بجرة قلم ما نفاه غيري بجرة قلم، ولكنني مقتنع ـ كمنهجي ـ أن هذا هو واجبنا أولا وقبل كل شيء، واجبنا نحو أنفسنا، وواجبنا نحو الأدب والوطن والتاريخ.

ويوم نفعل ـ وأرجو أن يكون ذلك قريبا ـ سنحس أن النقص الذي نلمسه في جدب الدراسة الأدبية بالمغرب قد زال، وسيشعر الكثير أن المغرب بخير، وإنه يضم عناصر أخرى من غير «الماسخين» و «الأدباء الناشئين» .

محمد عبد الواحد بناني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت