فهرس الكتاب

الصفحة 2987 من 5287

الزمن وتتبع تطور المؤسسات الاجتماعية والتربية قصد التوفيق بين المقومات الأساسية التي رسخت في أعماق النفس وبين التطور والخلق في الحاضر والمستقبل.

ولا سبيل إلى طرح الجانب الفردي النفسي من المفهوم التربوي-كيف نربي الطفل إذا جهلنا قوانين النمو الانفعالي والنمو العقلي والاجتماعي وأزمة المراهقة وطبائع الأفراد والتأثير المتبادل بين الفرد ومحيطه.

علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الحياة تقدم الأركان الأساسية لعلم التربية ولا تقوم لهذا العلم قائمة ما لم تتطعم بهذه المقومات، ولعل الفرق الجوهري بين التربية القديمة والتربية الحديثة أن التربية القديمة لم تحسب حساب العلوم المساعدة ولم تنفصل عن التجريد الفلسفي الصرف والنظريات العقلية البعيدة عن التجربة، وأول مفكر أدخل علم نفس الطفل في المجال التربوي هو «جان جاك روسو» الفيلسوف الفرنسي الشهير في كتابه «اميل» -وفلسفة التربية الحديثة ليست فلسفة في الفراغ أو في التصورات ذات النزعة الميتافيزيقية بل هي جمع منسق لمختلف فروع العلوم السابقة مضافا إليها مقتضيات العصر والفلسفة السائدة التي تطبع المجتمع بطابع يميزه عن مجتمع آخر فنحن لا نختلف عن الآخرين مثلا إلى بفضل هذه الفلسفة بالذات حيث أن قوانين علم الحياة والنفس قوانين نجدها في الصين أو في أمريكا هي بذاتها.

فأي فلسفة نتخذها نحن العرب المسلمون وندعو لها ونشيعها في مدارسنا حتى نحافظ على هذا التجانس المطلوب والتماثل العام بين العربي المغربي والعربي العراقي والحجازي؟ سؤال له خطورته ولم مسؤوليته لأنه سيشمل سياسة البلاد واتجاهها وبنيتها العميقة ولا احسبني أو في الموضوع في مقال، ويكفي أن أشير الآن إلى أن العناصر الحتمية التي ستتضمن هذه الفلسفة هي بدون شط اللغة والدين والتاريخ والسياسة أو بعبارة أخرى على الفلسفة العربية التربوية ألا تخرج عن الدعوة إلى وحدة اللغة ووحدة المكان ووحدة التاريخ ووحدة الثقافة ووحدة الدين ووحدة المصير والمصالح -ففلسفة التربية هي الجمع الحكيم لهذه العناصر مع إضافة عنصر التطور الدائم بطبيعة الحال.

ولا شك أن البوتقة الحية لهذه الأهداف أو لهذه الفلسفة التربوية العربية هي المدرسة العربية أين أننا في حاجة إلى تخطيط عام للتعليم وتنظيم فروعه وأصوله- ولا أشك لحظة أن سبب التباين الشديد بين العرب في عصور الانحطاط والاستعمار هو عدم وجود هذه المدرسة العربية وتضارب أنظمة التعليم بين بلد وآخر وبين فرع وفرع بل بين مادة وأخرى، والأمثلة عديدة للبرهنة على هذا الرأي، في المغرب مثلا كان التعليم على قسمين تعليم عربي صرف وتعليم فرنسي خالص وتعليم مزدوج بثقافة عصره -والتعليم الفرنسي الصرف تعليم يتجاهل المقومات الأساسية للشخصية المغربية المسلمة والتعليم المختلط تعليم يخرج لنا موظفين للإدارة لا المواطنين الصالحين ولا المثقفين الناضجين، وهذا التضارب العام موجود بين القسم الواحد والفصل الواحد -والعالم العربي برمته كان يعيش هذا التباين الخطير الذي يغذيه الاستعمار وتشجعه الرجعية المتقهقرة - سياسة فرق تسد سياسة حكيمة في الهدم والقتل الفكري وأئمة الاستعمار العريقون وضعوا علما شاملا في أساليب فصل القوة الحية للشعب المستعمر وقد حاولوا تطبيقها في الجزائر حينما أحيوا القومية واللغة البربرية وحينما شجعوا فرق الزوايا والطوائف الدينية لتجابه اللغة العربية الحية وعقيدة التوحيد الصميمة، وسبب فشل الاستعمار يرجع إلى أن الإيمان كان أقوى من علم المستعمر ودهائه.

نحن في حاجة ماسة إلى التوحيد الثقافي عن طريق فلسفة تربوية عربية قصد التشابه بين العرب في كافة البلاد العربية، والتشابه هنا ليس معناه النسخة المتكررة والقضاء على الفردية وتجاهل الاختلافات البيئوية، التشابه بمفهومه العضوي قتل لا شك فيه والتشابه الذي نحن في حاجة إليه هو بمعناه الوظيفي تماما كجسم الإنسان المتعدد العضلات المتحد في العمل والأداء، والتماثل الوظيفي العقلي هو هدف هذه الفلسفة التربوية العربية.

والصعوبات التي قد تعترضنا في اتخاذ هذه السياسة الثقافية الموحدة بين البلاد العربية اليوم والبلاد الإسلامية غدا تعتمد أولا وأخيرا على الفلسفة المشتركة-والدخول في الميدان الفلسفي دخول في صميم المشاكل الفلسفية الأزلية فنحن حينما نؤمن بفكرة الوحدة الثقافية نصطدم بمسائل أخرى كالمركزية أو اللامركزية وهل نقيد التعليم ونوجهه أم نتركه حرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت