فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يقتل روح الابتكار؛ وبما أن النظام الديمقراطي يرحب بكل عامل مبتكر ويجعل أفراد الشعب جميعهم في منزلة واحدة حتى ينتفع من قدرات الجميع على الخلق والابتكار، كان من الضروري أن نطلق الحرية للأطفال لأن إعطاءهم قسطا كبيرا منها يحملهم على الثقة بالنفس والثقة بالنفس تحفزهم إلى الخلق والعمل المنتج وفي ذلك تقدم سريع للمجتمع. أما من الناحية الخلقية -وهي أهم بكثير من كل ناحية أخرى- فنستطيع القول بان الحرية تمكن الطفل من إظهار شخصيته وتقوية إرادته نظرا لما يكون قد اكتسبه من تجارب في المدرسة؛ ولا شك أن تلك التجارب هي التي تجعله قادرا على تعديل سلوكه والتخلق بالأخلاق السامية، بحيث يكره من تلقاء نفسه ما يجب أن يكره ويحب ما وجب أن يحب. ولعمري أن هذه المرحلة هي أسمى ما يمكن الوصول إليه وهي الغاية من التربية الحقة. أما إذا شب الطفل وهو يتلقى الأوامر من المعلم بحيث لا يتحرك إلا بإيعاز منه فسرعان ما تمحى شخصيته ويصبح عرضة لرياح الأهواء والنزاعات السيئة.
وبديهي أن النظريات السابقة على طرافتها وجدتها لا تكتسي قيمة في نظرنا إلا إذا كانت سهلة التطبيق قابلة للتعميم؛ أما تطبقها فقد شرع فيه فعلا في مدارس نموذجية كالتي أنشأتها المربية الإيطالية منتسوري والتي عملت فيها على تطبيق مبدأ الحرية بمعناه الواسع الشامل لا من الناحيتين العقلية والخلقية فحسب، بل من الناحية الجسمية كذلك. وهكذا ألغت المربية المذكورة المقاعد المثبتة في الأرض وجعلت مكانها مقاعد متحركة حتى لا يشعر الطفل بأية سلطة تضغط عليه كما جعلت الطفل حرا في أن يدخل حجرة الدراسة أو يخرج منها دون أن يتعرض له أحد، ولم يكن المتعلم في تلك المدرسة النموذجية مقيدا بمادة من المواد؛ أما المعلم فكان عليه أن يتشبث بموقف المرشد والمساعد حتى تتربى في الطفل القدرة على العمل ويتمكن من استخدام حواسه بصورة مفيدة. أما من الوجهة الخلقية فالطفل في تلك المدرسة يعطى كامل الحرية يستخدمها كيف يشاء على شرط أن لا يسيء إلى زملائه.
ومن الظاهر أن مدارسنا لا تتبع هذه النظريات وذلك لأسباب مادية ومعنوية معا؛ وإذا كنا نبتهج لمبدأ الحرية في المدرسة فإننا مع ذلك لا نقول بإطلاقها كاملة للأطفال لأن ذلك لأسباب مادية ومعنوية معا؛ وإذا كنا بتهج لمبدأ الحرية في المدرسة فإننا مع ذلك لا نقول بإطلاقها كاملة للأطفال لأن ذلك قد يؤدي بهم على الفوضى وعدم الاستقرار بل ندعي أن الطفل لو عاش اليوم في مدرسة يشبه نظامها النظام القائم في مدرسة منتسوري لما استطاع أن يتابع سيره في الحياة باطمئنان لأن نظام الحياة ونظام المنزل مخالفان للروح التي تسود تلك المدارس المثالية. أجل، متى خرج الطفل من المدرسة إلى المجتمع فإنه يرى نفسه محاطا بسياج من القوانين وضعت لصالحه طبعا ولصالح موطنيه ولكنه يرى مع ذلك في الخضوع لها والعمل بها تقليلا من حريته ونفوذه. وهناك سلطة الأبوين التي لا تزال نافذة المفعول في وسطنا الإسلامي ولا سبيل إلى نقض سلطة الوالدين. ولكل هذه الأسباب نعتقد أن ليس من المصلحة في شيء أن تترك الأمور تجري على أعنتها، لا يتحكم في المتعلم أحد ولا يخضع هذا الطفل لنظام قار؛ فنحن نريد أن نعطي الطفل حرية معقولة أكثر من التي يتمتع بها الآن وأقل مما يرمي إليه نظام المدارس النموذجية التي سبق ذكرها؛ نريد من الوالدين أن يخففا من سلطتهما على الطفل فيعاملاه باعتباره كائنا حيا له شخصية وكرامة كما نريد من المعلم أن يجعل الطفل أساسا في تعليمه يجب أن يرمي المعلم وراء ظهره فكرة العقاب البدني العقيمة ويحمل الطفل على استخدام مواهبه ليتمكن من التفكير السليم، ولذلك يجب أ يقدم له درسا إلا على شكل يروق خياله ويحفزه إلى النشاط والعمل المنتج، ذلك لأن نشاط الطفل هو الذي يتيح الفرصة للمعلم للكشف عن نزعاته وميوله، فيتعهدها إذ ذاك بالتهذيب والإصلاح لأن المسألة مسألة تربية قبل كل شيء وبعد كل شيء لا مسألة تعليم فقط؛ ومن آثار الحرة الظاهرة في التعليم إنها تجيب العمل إلى الطفل وتشجعه على المضي في السبيل حتى بعد انقطاعه عن المدرسة، إذ تمكنه من تعليم نفسه بنفسه. ومبدأ الحرية هو الكفيل بإشعار الطفل بالمسؤولية؛ فيعدل سلوكه تبعا لمصلحته ومصلحة مواطنيه؛ وعليه فهو الذي يعينه على تقوية إرادته بحيث يصبح مسيطرا على نزعاته، يتحكم فيها كما يريد، ولا يخضع غلا لتلك الإرادة القوية، وفي الخضوع لها تدريب له على المكاره لأن الحرية الحقة هي ألا نفعل ما نشاء ولو صح ذلك لكنا -كما قال أحد المفكرين- عبيدا لشهواتنا ونزعاتنا المضطربة؛ ولكن الحرية بمعناها السامي الصحيح أن نعمد إلى كل ما يعيننا على استئصال بوادر الشر والفساد العالقة بالنفس ونعمل على تزكية كل خصلة حميدة فينا حتى نحقق بذلك لأنفسنا حياة سعيدة تغمرها الفضيلة وهناك نكون قد أدركنا معاني التربية الحقة.