فهرس الكتاب

الصفحة 2006 من 5287

وهما ضياع فلسطين والنازحين، كما رسم صورة الشوق والحنين بذكر الوطن وأبرز صورة «العودة» والإيمان بها والإعداد لها.

فإذا تساءلنا ماذا يمكن أن يعطينا هذا العرض التفصيلي من ملامح الأدب العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي في خلال قرن ونصف قرن من الزمان وجدنا أنه يعطينا صورة «عقل» الأمة العربية وعاطفتها في أدق مرحلة من مراحل كفاحها وصراعها وإثبات شخصيتها، ذلك أن هذه الفترة منذ بدأ الاستعمار يغزو العالم العربي (1811) حتى اليوم تمثل إحدى الملامح الضخمة التي خاضتها الأمة العربية في مقاومة مطامع المغيرين الذين كانوا يتطلعون دائما إلى هذه المنطقة ليضعوا أيديهم عليها.

وهي حلقة من حلقات الصراع بين العرب وخصومهم سبقتها ثلاث ملامح ضخمة هي: التتار والصليبيين والعثمانيين، وفي كل ملحمة من هذه الملاحم كانت الأمة العربية تقاوم بكل قوتها معتزة بشخصيتها وموقعها وتراثها الثقافي ومكانتها الروحية.

ولقد كانت الملحمة الرابعة (الاستعمار الغربي الحديث) من أضخم هذه الملاحم من غير شك، نظرا لتضخم السلطان العسكري للغرب الذي اكتشف البخار ودخل دور الصناعة الحديثة باختراعاتها وكشوفها وسلطانها المادي في الوقت الذي غفل فيه العرب عن القوة فاكتسحوا بالغدر والخيانة والمؤامرة، وقد صور الدب هذه المؤامرة الضخمة وكشف عن طريق النثر والشعر والمقال والقصة والصحيفة والكتاب والخطابة عن عمليات الإبادة التي قام بها الاستعمار في ليبيا والجزائر وفلسطين، وكان القوة الدافعة التي تجمع الجموع وتدفع المجاهدين إلى الصفوف الأولى وتستطيع هذه الصورة أن تعطينا عددا من الحقائق التي تكشف عن جوهر الأمة العربية. فقد كان الأدب (شعره ونثره) هو ديوان العرب وكانت اللغة العربية هي قوام هذه الرابطة الضخمة، رابطة القومية العربية.

وقد حاول الاستعمار في تجربة ضخمة حشد لها كل قواه وجند كل إمكانياته وعلمائه القضاء على هذه اللغة وإبدالها باللهجات المحلية سعيا وراء جعلها لغات إقليمية ولكن دون جدوى فقد ذهبت جهوده إدراج الرياح وبقيت الأمة العربية ملتفة حول سارية عالية لا سبيل إلى هدمها، وظلت اللغة العربية -التي كانت قد ضعفت في أواخر العهد العثماني- تنمو من جديد وتتجدد وتصقل وتتطور على ألسنة الشعراء وأقلام الكتاب ترسل الصيحات المدوية فتعبئ المشاعر وتحفز الهمم.

وكانت «العربية» شرارة الثورات المتوالية التي انفجرت في العالم العربي الوطني -ولا أقول السياسي- الذي أطلقنا عليه أدب المقاومة والتجمع، فقد ساد هذا اللون وطغى واتسع نطاقه، وكان أبرز الألوان وأقواها وأشدها أصالة، وحملته الصحافة في الأغلب فكانت رسالة، وحمله الكتاب ونقلت هذه الآثار من الأوطان المضيق عليها إلى من كانت أكثر حرية، بل انتقل الأدباء أنفسهم وهاجروا في مناطق الظلم، ولم يقف أمرهم عند هذا، بل قدموا الضحايا، شهداء من أهل العلم وسجناء ومهاجرين ومشردين.

وفي الوقت الذي كان الاستعمار يضغط فيه على الحدود المصطنعة أو يدفع المذاهب التغريبية إلى أن عادل الحياة وتوجه صنائعه من حكام الأقطار ليضاعف من قسوة التجزئة ويضع بذور الفتنة والشقاق بين قطر وقطر، كانت قصيدة واحدة تحمل معنى الأخوة العربية والمقاومة والتجمع كافية لأن تجعل هذه الدور كلها تنهار وهذه الحصون كلها تتحطم.

فقد شدت لها القلوب فإذا هي تجري على الألسنة وتتناقلها الركبان، فإذا أردنا أن نصور التيارات الفكرية التي كانت تضطرم في المنطقة فلا شك أن الدعوة الوهابية كانت منارا قويا للحركة الفكرية، وكانت مقدمة لرسالة جمال الدين الأفغاني وما تلاها من حركات فكرية حملت رسالة الأدب والثقافة في المهدية السودانية، والسنوسية الليبية و «خير الدين» التونسية و «الألوسية» العراقية والكواكبي في مصر وهي عندنا قمة الحركات الفكرية الداعية إلى الحرية والمقاومة للاستبداد العثماني الهادفة إلى العودة للمنابع الأولى للعقيدة.

وهي أن تكن ضعف في مسقط رأسها فقد ظلت شديدة الأوار في المشرق والمغرب على السواء، وكان الشعر بالطبع أبرز من النثر أثرا فقد هاجم شعراء العراق والشام الاستبداد العثماني ثم اتجه الشعر إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي والبريطاني في مختلف أنحاء الوطن العربي.

وقد كان الوجود السياسي للعرب سبيله الأدب كتابة وشعرا وخطابة (فلم يكن العرب بمدافعين عن وجودهم إلا باللغة العربية في مقالات وقصائد ومطبوعات أثارت نوازع الحمية العربية وأطلقت الألسنة والأقلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت