فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وبأنها لا تعلم شيئا عن ذلك القاتل الذي سرق شرفها، قالت لهما ما شاهدته على خشبة المسرح حيث مثلت مأساتها ... النافذة .. والحديقة .. والحديد القوي الذي يسد النافذة ... والمكاتب .. والفراش .. والستائر الحريرية، وفي النهاية أرتهما تمثال المسيح الفضي الصغير الذي جاءت به معها، وأمام تصويرها هذا تجددت دموع أبويها، وطلبا الأخذ بالثار، ورغبا في أن يلحقا بالآثم عقابا لا مثيل له .. قالت «ليوكاديا» لأبويها كذلك: بالرغم من أنها لم تود أن تتعرف على المعتدي عليها، إلا أنهما إذا كانا يريان من المستحسن معرفته، فبواسطة ذلك التمثال الفضي الصغير يستطيعان أن يتصلا بمساعدي الكهنة كي يعلن هؤلاء من منابر الكنائس في المدينة أن من ضاع له تمثال «كذا» فسيجده لدى رجل الدين"فلان"الذي يعينانه هما، وهكذا يعرف صاحب التمثال .. ثم تعرف الدار .. ثم الشخص المعتدي، فاعترض الأب عن هذا قائلا: إن ما قلته يا بنيتي حسن لو أن خبث البشر لا يتعارض معه، فمن الجلي أن فقد التمثال من الجناح الذي وصفت سيكون له اليوم أهمية صغيرة، وسيعرف صاحبه على وجه التحقيق أن من كانت معه هي التي أخذته، وعندما يعرف أنه لدى أحد رجال الدين، سيحاول أولا أن يعرف من الذي دفع به إليه من غير تصريح باسم صاحبه الذي فقده، وشيء آخر فربما يعطي صاحب التمثال صفات تمثاله لشخص آخر، ثم يتقدم ذلك الشخص إلى رجل الدين ليأخذ التمثال، وإزاء هذا فمن الأفضل أن نبقى قبل غامضين لا نعلن شيئا، ولو أنه يمكننا أن نستخدم نفس الحيلة التي نفترضها وهي أن ندفع بالتمثال إلى رجل الدين بواسطة شخص آخر كذلك ...
ولكن الذي يجب أن تفعليه يا بنيتي هو أن تحفظي التمثال وأن تثقي فيه، فهو شهيد على مأساتك، وأن توقني بأن هناك قاضيا سينصفك، كما ينبغي أن تعلمي بأن زنة درهم من شرف مخدوش ينشر بين الناس لهو أثقل من زنة قنطار من شرف مخدوش لا يعرفه أحد، ومن ثم فأنت تستطيعين أن تحيى حياة شريفة فيما بينك وبين الله، ولا يحزنك انك غير شريفة بالنسبة لحكم المجتمع، التجرد الحقيقي من الشرف هو في الإثم رغبة أو قولا أو عملا، والشرف الحقيقي هو في الفضيلة نزوعا أو قولا أو عملا، وأنت لم تأثمي لا تفكيرا ولا قولا ولا عملا، فلتعلمي أنك شريفة، وأنني لن انظر إليك إلا كأب حقيقي لك يعرف ظاهر أمرك وباطنه.
بهذه العبارات المتعقلة واساها أبوها، واحتضنتها أمها مخففة عنها، فانخرطت هي في البكاء ثانية، ثم أخذت شيئا غطت به رأسها وبدأت تعيش منطوية على نفسها تحت رعاية أبويها مرتدية ملابس متواضعة كأنها فقيرة.
رجع «رودولفو» إلى منزله وقد لاحظ أن تمثال المسيح الفضي غير موجود في مكانه، ففكر فيمن قد استطاع أن يأخذه، ولكنه كغني لم يحفل به، ولم يعط كبير اهتمام، وبعد أيام ثلاثة سافر إلى ايطاليا إذ كان والده هناك وكان من قبل قد أقنعه بالسفر قائلا له: ليس الوجهاء وجهاء فقط في أوطانهم، بل يجب أن يكونوا في الخارج وجهاء كذلك، فبهذا المنطق وبغيره هيئت عزيمة «رودولفو» للسفر، فسافر ومعه اثنان من رفقائه، شغوفا بما كان قد سمعه من بعض الجنود من انتشار الفنادق في ايطاليا وفي فرنسا وعن الحرية التي يتمتع بها الاسبانيون في هذه الفنادق الشهيرة مثل"لي لووني لولا ستري"و «بيتيولي» و «بريسونتو» و «سالثيثي» وكثير غيرها من نفس النوع الذي يتذكره الجنود الاسبان عندما كانوا هناك، ذهب «رودولفو» إلى ايطاليا وذاكرته تحمل القليل مما وقع له مع «ليوكاديا» كما لو أن شيئا لم يحدث وكانت هي في ذلك الحين تعيش في منزل أبويها بكل ما يمكنها من انطواء على نفسها، دون أن تدع أحدا يراها، فزعة من أن تقرأ كارثتها على جبينها ولكن بعد بضعة أشهر لم يكن بد من أن تعرف كارهة على أية درجة بلغت بها تعاستها فبالغت في إخفاء نفسها عن أعين الناس، لأن حدثا أعاد على مآقيها الدمع الذي نسيته، وبدأت أحزانها من جديد تجرح مشاعرها، ولم يجد هذه المرة في مواساتها عطف أمها الطيبة وتعلقها معها.
(يتبع)