فهرس الكتاب

الصفحة 4068 من 5287

في ذاته، ولكن الإدراك هو الاتصال الفعال بين شعور المدرك والعالم الحي الذي يوجد فيه الشيء المدرك.

فقطعه من القماش، زيادة على نسيجها الذي يدخلها في النوع الخاص من الأشياء المسمى"بالقماش"لها قوة ذاتية تلفت الأنظار وتجعلها موضوع انتباه، فما كان هذا القماش ليرى، لولا تلك الفعالية السرية الغامضة التي، بواسطتها تجذب النفوس أو تنفرها. وعليه فإني لا أرى القماش إلا لأنه"يعمل"على أن يرى، إنه حينما يرشح نفسه لانتباهنا يجعل من نفسه عالما كله معاني وذكريات. إنه موجود، وموجود كشيء،"يصلح- لـ- كذا"، و"يساوي- كذا"... فكل إدراك (حسي أو كلي) يحتوي على مجموعة من الأحكام والمقارنات. أفلا يكفي النظر إلى قطعة القماش لإثارة سلاسل من تداعي المعاني؟ إنه يذكرنا بكثير من الأشياء لولاه ما خطرت ببالنا.

فلون القماش، وثخونته، و ... تذكر بالصيف أو الشتاء بالشاطئ أو الجبال ... فبهذه المجموعات من تداعي المعاني تستدعي قطعة القماش إلى المعرفة، يبدو في نهاية الأمر، أنها سلسلة من التعرفات (أي إعادة- معرفة) .

ومن جهة أخرى فإن كل تذكر يصطحب بفكرة عن العمل، فكل صورة تنطبع في شبكية العين، تفتح المجال لصور ومعاني كثيرة، فدينامية كل إدراك ترتبط ارتباطا وثيقا بدرجة فعالية الصورة، ثم إن الصورة من جهتها تستمد قواها من منابع الشيء المدرك، لأنها ليست في الحقيقة إلا مرحلة في عملية متصلة تربطنا ربطا لا انفصام له بالأشياء. إني حين أدرك أعي الأعمال التي يمكن ماديا وقوعها بمشاركة جسمي والعالم. ولنزد أن لهذا الوعي جانبين: فهو فعالية ذاتية، وفعالية أخرى، تدعو الموضوع ألا يبقى جرما جامدا، بل أن يقوم بحظ من النشاط. فلنقترب من شيء: إن نظرتنا إليه تتغير بقدر ما نقترب منه، (إن أبعاده تكبر في حقلنا البصري فتتغير هيأته العامة بالنسبة إلينا. فهو يتكيف بما حوله، ويكيف ما حوله) إننا ننسجم مع الأشياء بقدر ما تنسجم معنا. وحتى في الحالة التي يصعب فيها الاقتراب من الشيء يتصور إمكانية الاقتراب منه، لأن الصورة الحالية ليست إلا جزئية ومؤقتة.

تكلمنا عن العالم الخاص بموضوع مدرك، عالم"شيئية"الموضوعات، وما تكنه من إمكانيات لاستغلالها، والقيم التي يعتمد عليها، والنشاط الذي يصاحب الإدراك.

هناك عالم آخر، يتصل بالأول في معية زمنية: هو عالم الصور التي تدور حول المدرك فتؤكد وجوده، لا ككائن فحسب، ولكن كمنبع لممكنات يقبلها التصور، ومظاهر يقبلها التخيل. إن حياة امرئ كاملة تنفذ قبل أن تنكشف كل الإمكانيات التي تكون عوالم شيء مدرك.

إن فكرتنا هذه بدعة، بلا شك، بالنسبة للنظرية المتفق عليها عادة، فيما يخص الموضوع. لقد بينا فيما تقدم أن الموضوع ليس بالجسم الجامد. فإذا اعتبرنا أن الاستدعاءات التي يوجهها كل موضوع مرشح للإدراك إلى المدركين فهمنا بوضوح القوى الدينامية التي ينطوي عليها هذا الموضوع، أليس الموضوع بداية لعمليات استذكار، وتخيل وتقويم، أو استعمال، ينتج عنها الشروع في حركات بالجسم أو بالتصور؟.

حقا، إن الموضوع لا يخلق الذات، ولكن الذات من جهتها لا تخلق الموضوع؛ إنهما يتعاونان بالتساوي، كلاهما يفرض ضمنيا وجود الآخر، بل إن وجود أحدهما شرط حتمي لوجود الآخر، فبطواعية الموضوع للذات، يثبت الموضوع الذات لذاتها. يصيرها شاعرة، لا بالعوالم الموضوعية المدركة والعوالم التي يمكن إدراكها فحسب، بل يجعلها واعية كذلك لعالمها الذاتي، إنه يساهم بحظ وافر في تشخص الكائن البشري بقدر ما يضفي هذا الأخير صبغة إنسانية على كل الأشياء التي تدخل في أفقه.

سبر العالم ليس رهن إشارتنا، إنه لزام علينا أن نقرأ الحساب للقوى المحركة للعالم بما فيها من قوى خاصة، بالذوات الشاعرة وقوى خاصة بالظاهرات والموضوعات. أليس التشخيص الذي يغذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت