فهرس الكتاب

الصفحة 1898 من 5287

ثم كيف نعلم أن الله موجود وأنه متميز عن العالم. لا مجال للتدليل العقلي على وجود الله في فلسفة برجسون. والواقع أنه ينتقد الأدلة السلفية ويرفضها رفضا باتا. فدليل المحرك الأول مستبعد من جراء مبدأ المذهب أن ليس يوجد سوى حركة بغير محرك ولا متحرك. ودليل العلل الغائية يتنافى مع المذهب كذلك فأولا الغائية تعين صورة المستقبل ونحن نعلم أن الديمومة خلق متجدد وثانيا الغائية تشبه عمل الطبيعة بعمل الصانع الإنساني يركب قطعا وأجزاء ليحقق نموذجا بينما الطبيعة تكون وتخرج الكائن الحي بأكمله من خلية تتكثر.

وإذا كانت الأدلة على وجود الله غير ناهضة فكيف نعرف الله؟ لا يبقى لدينا سوى التجربة. والواقع أن برجسون يدعي إقامة ميتافيزيقية تجريبية مبدؤها أن كل موجود هو بالضرورة موضوع تجربة حاصلة أو ممكنة. ويرى أن ليدنا تجربة إلهية فيقول أن حدس ديمومتنا يصلنا بديمومة تتوتر وتتركز وتزداد اشتدادا حتى تكون الأبدية في الحد الأقصى. وأبدية الله ديمومة كذلك وهنا يفترق برجسون عن الفلاسفة الذين يرون أن الله ثابت مستكف بنفسه فيقول ولكن الموجود الكافي نفسه ليس غريبا عن الديمومة بالضرورة وان في الحركة لشيئا أكثر من الثبات وهكذا يطبق برجسون فلسفة الديمومة إلى النهاية ويستعيض عن الإله الثابت بإله متغير أي أن الله عنده موجود نسبي مركب من فعل وقوة موجود يتضخم كلما تقدم ويكتسب شيئا جديدا بلا انقطاع. ثم أن برجسون يقول في الكثير من الحيان أن القوة الحيوية «تنطلق وتنمو وتنضج بدون توقف» ولكنها تفعل ذلك بطريقة عمياء ولكن كيف تنمو وتنضج بطريقة عمياء؟ إن مجرد هذه الكلمات تتضمن وجود عملية تهدف لغاية. فالمستقبل يتضمن عضويا في الحاضر والماضي. والماضي لا يقتصر أبدا على كونه قديما ليس إلا كما أن الحاضر لا يكون جديدا تماما. إن التطور ليس تطورا أعمى ولا هو غير موجه في تغيراته. إن اتجاه التطور ليس هو أن محددا وهذا بدوره لا يقتضي بالضرورة تفتحا ميكانيكيا لما هو محدد من قبل تحديدا كاملا.

ومع ذلك فإن برجسون يعد أكبر فيلسوف ظهر في فرنسا منذ عهد بعيد وكان تأثيره واسعا عميقا فقد أذاع لونا من التفكير وأسلوبا من التعبير طغيا على سائر فروع المعرفة العلمية وتجاوزاها إلى السياسة والأدب لأن أفكاره كانت تتفق تماما مع نبذ المعتقدات الفكرية التقليدية. ونقط الضعف الواضحة في التفكير الميكانيكي. وكانت فلسفته احتجاجا على النزعة العقلية الضيقة التي تحاول أن تحصر الواقع كله في مقولات مجردة كما كانت احتجاجا على المادية الميكانيكية التي تنزل الكون بأسره إلى مستوى الفيزياء وكانت دلالته التاريخية أنه قصد إلى إنقاذ القيم التي أطاحها المذهب المادي فهو يبدو من هذه الوجهة وكأنه واحد من أولئك الأبطال الذين أشاد بهم أولئك الأبطال الذين يقولون في الإنسانية ليعلنوا إيمانهم بالروح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت