فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثم تشبيه آخر يشبه برجسون الخلق بدخول يد في برادة الحديد. لا تصور أن يدي تتخلل برادة الحديد التي تنكمش وتقاوم حركة يدي أثناء تقدمها. لابد أن تأتي لحظة تكون فيها يدي قد بذلت جهدها وعندما تتجمع حبات برادة الحديد وتشكل صورة معينة هي صورة يدي التي توقفت وجزء من ذراعي. لنفرض أن يدي وذراعي كانا غير مرئيتين ولنتصور أن هناك ملاحظتين لبرادة الحديد بعد حصول تلك الحركة غير المنظورة هؤلاء لو تصورناهم علماء طبيعيين سيبحثون عن علة تلك الصورة وذلك الانتظام الذي أخذته البرادة. سوف يبحثون عن تلك العلة في البرادة نفسها. وسينقسم هؤلاء العلماء إلى فريقين الأول سيسفر موقع كل جزئي مادي بتأثير الجزئيات المجاورة وهؤلاء الميكانيكيون. والفريق الآخر يقرر وجود تصميم سابق على هذه التأثيرات وهؤلاء هم الغائيون. ولكن الحقيقة أنه لم يكن هناك إلا فعل واحد لا يتجزأ هو فعل يدي وهي تجتاز برادة الحديد وهذا الفعل هو الذي يفسر جميع الحركات.
مما سبق نلاحظ إلى حد ما اثنينية في موقف برجسون الشعور والمادة. الشعور من جنس الفعل الخالق وهو الذي يحيي الأجسام وبدونه تصبح كالرماد الباقي من القذيفة والمادة وهي نقيض الحياة ولكنها نقيض يصدر عن الأجسام الحية. وفي نهاية المر يصدر عن الفعل الخالق. المادة هي الحياة منقلبة متجمدة. المادة نشأت من وهن التيار الحيوي أو توقفه فما هي إلا شيء نفسي تجمد وتمدد، كما نشاهد في أنفسنا حين ندع فكرنا يجري اتفاقا فيتبدد في آلاف من الذكريات تنتشر فتتراخى شخصيتنا وتتنزل في اتجاه المكان أو كما نشاهد الماء يندفع من نافورة ويرتفع خطا كثيفا دقيقا ثم يهبط على شكل مروحة قد انفصلت نقطة المتراصة وتباعدت وتساقطت في مساحة أوسع.
ولو كانت الحياة ترسم مدارا واحدا لكانت الحركة التطورية أمرا بسيطا كل البساطة ولاستطعنا بسهولة أن نعين اتجاهها ولكننا هنا أمام قنبلة قد انفجرت وتناثرت أجزاؤها وهذه الجزاء أيضا نوع من القنابل قد انفجرت بدورها إلى أجزاء أخرى من شانها أن تنفجر وهكذا خلال زمن طويل. أما نحن فلا ندرك إلا ما هو قريب منا أي تلك الحركات المتبعثرة التي يجب أن نبدأ منها كي نعود شيئا فشيئا إلى الحركة الأصلية في وقت ما وفي نقطة ما من المكان نبع تيار حي واجتاز أجساما كونها على التوالي وانتقل من جيل إلى جيل وانقسم بين أنواع الحية وتشتت بين الأفراد دون أن يفقد شيئا من قوته بل إنه يزداد قوة كلما تقدم ويزداد شعورا فهو في النبات سبات وخمود وفي الحيوان غريزة وفي الإنسان عقل وهذه الطبقات مختلفة بالطبيعة لا بالدرجة فحسب.
ولكن هذا التيار الحي الخالق هل يكون هو الله إنه شبيه بالله وكثير من عبارات برجسون تؤدي هذا المعنى منها قوله «إن فكرة الخلق تغمض بالكلية إذا فكرنا في أشياء مخلوقة وشيء يخلق إما أن يتضخم الفعل كلما تقدم ولن يخلق كلما تقدم فهذا ما يشاهده كل منا حين ينظر إلى نفسه وهو يفعل.» فلا يصح أن نعتبر فعل الخلق كائن يخلق بل الخلق والله شيء واحد. الخلق مستمر المجدد هو والله شيء واحد لا تمييز بينهما وليس هناك محل للكلام عن الله كما لو كان جوهرا غنما يجب القول بأنه طاقة متصلة متدفقة وحياة متصلة مندفعة في تجدد مستمر وعلى ضوء هذا يصح أن نقول إن خلود النفس معقول ومقبول. إذا كان الخلق هو الأصل وهو جوهر الأشياء الأصلي وإذا كان الشعور هو الأصل. إذا كان هذا هو المر فالشعور المتدفق في العالم لن يموت بل قد ينبعث من جديد في الأجسام فيحيى ما كان رميما.
وصف برجسون فعل الحياة وصفا رائعا بل نستطيع أن نقول أنه بلغ ولو من بعيد سر الحياة ولكنه مع ذلك لم يذهب حتى التفسير المقنع المرضي ثم كيف تنحدر الحياة وكيف تضمحل. قد نقول أن الحياة لا تضمحل في الأصل الحي ما في طبيعته الاضمحلال وما هو قابل للتشتت والتبدد. قد تكون هناك ميزة فلسفية لتلك النظرية التي تستغني عن خالق متمايز تمام التمايز عن المخلوقات فإنه برجسون يقوم بمحاولة منزهة (في نيته على الأقل) فيريد أن يتجنب تشبيه الله بالإنسان والأفعال الإلهية بالأفعال الإنسانية ولكن مع ذلك المشكلة باقية لم ينحدر الوجود ويضمحل ويتجه للمادة. إذا كان الوجود في أصله ديمومة مركزة وخلقا أصيلا ليس معرضا في طبيعته للاضمحلال والانحدار فلم لم يبق الوجود على حاله كما كان في الأصل. لم يضمحل فأصبح لا كائنات حية فحسب بل متجهة أيضا إلى المادة وإلى الموت.