فهرس الكتاب

الصفحة 1900 من 5287

الكريم: (لو تعلقت همة ابن آدم بما تحت العرش لأدركه) وقوله عليه السلام: (إن الله يرزق العبد على قدر همته) وغن من أعجب العجائب أن يستطيع قوم لم يتموا بعد انسلاخهم عن بداوتهم ولم يبعد العهد بينهم وبين شبحهم وقيصومهم أن يفتحوا العالم بالدعوة إلى الله لا إلى الاستقلال والاستعمار، وأن ينظموه بالعدل والمساواة ثم لا تلبث لغتهم أن تفتح هي الأخرى غيرها من اللغات وأن تبتلع كتبها ودواوينها وسجلاتها ودفاترها ولم يحفظ عنها التاريخ إنها انهزمت في شيء من ذلك أو تراجعت.

فإذا كنا حقيقة من سلالة أولئك الأباة، وكنا نعتز بلغتنا شأن جميع الشعوب المعتزة بلغتها فيجب أن نخوض معركة التعريب بنفس العزيمة التي كان أجدادنا يخضون بها معارك الحروب.

وإن معركة التعريب لمعركة طبيعية يتحتم على كل أمة عربية أن نخوضها ما دامت راغبة في الحياة الحرة الكريمة، ومتطلعة نحو البقاء والخلود، ولنراجع التاريخ يحدثنا عما قام به أسلافنا ف يميدان التعريب محافظة على الكيان العربي وتوسيع اللغة العربية القوية المسايرة لكل تطور علمي، والقادرة بحيويتها على هضم كل مقومات الحياة العصرية والمصطلحات العلمية في القرن العشرين هضما يضمن الانسجام والالتحام، فاللغة التي استطاعت أن تتبنى كل ما لدى الفرس والرومان من علم وحضارة، تستطيع كذلك، وبالأحرى اليوم أن تتبنى الاصطلاحات العلمية والإدارية سواء كانت فرنسية أو غير فرنسية، إذا هناك فنيون مقتدرون على نقل ما تمتاز به لغة الدولة الراحلة من علم وحضارة إلى لغة الدولة المتحررة الفتية.

وقديما امتاز العرب على غيرهم من الفاتحين بالإخلاص للغتهم، والدفاع عنها، حتى لا تبعد عن الحياة، وكلما استتب لهم الأمر في بلد من البلدان حملوا سكانه على كتابة الدواوين مخافة أن تذهب لغتهم التي يحبونها ويعيشون معها في مساجدهم ومتاجرهم ومزارعهم ويتغنون بها في أسفارهم وأسواقهم فرادى وجماعات.

ونحن اليوم بين أمرين إما أن نتعصب للغتنا فتحتي، أو نهملها فتموت والواجب الديني والوطني يفرضان علينا أن نخلص لأجدادنا ونفعل مثل ما فعلوا ونتعصب للغة الضاد حتى لا تذهب وتبقى هذه الفرنسية المبجلة في جميع أوساطنا.

على اللغة العربية التي خدمت البشرية في عصور غير قليلة من التاريخ تستطيع أن تخدمها كذلك في العصر الحاضر، فما زال صدرها رحبا، ومادتها قوية، وكما وسعت علوم الأشوريين والبابليين والفينيقيين والمصريين والهنود والفرس واليونان والرومان، تسع كذلك هذه العلوم التي كانت السبب الأكبر في كفران شبابنا بها والتهامهم إياها بالعجز، وعدم القدرة على مسايرة العصر الحاضر نتيجة جهلهم بها وبماضيها الحافل وبما تمتاز به من أسلوب موسيقي جذاب، ومعلوم أن من جهل شيئا عاداه.

فبفضل حماسة عظماء المسلمين للغة العربية كان لهم الفضل الأكبر في جمع شتات العلوم ونقلها إلى العربية من مختلف الدول القديمة، وتنظيمها تنظيما يتلاءم وأفكار بني الإنسان إذ ذاك، فإن ننس لا ننس فضل عبد الملك بن مروان الذي يعتبر المغرب الأول في الدولة الإسلامية للدواوين فهو الذي أمر سليمان ابن سعد والي الأردن لعهده أن ينقل ديوان الشام إلى العربية، فأكمله لسنة، من يوم ابتدائه حسبما ذكره ابن خلدون في مقدمته ص 231 كما لا ننسى فضل الحجاج بن يوسف الثقفي على اللغة العربية بتعريبه لديوان العراق، فهو الذي أمر كاتبه صالح بن عبد الرحمن، وكان يكتب بالعربية والفارسية، أن ينقل الديوان من الفارسية إلى العربية ففعل ورغم لذلك كتاب الفرس، وقد ذكر العلامة ابن خلدون في مقدمته أن عبد الحميد كان يقول: لله در صالح ما أعظم منته على الكتاب.

وفي أيام هشام بن عبد الملك قام الكتاب بتعريب ما تحتاج إليه الدولة من علوم السياسة والطب والنجوم مستعينين في ذلك بمؤلفات الفرس أصحاب الحضارة القديمة، والتقدم العلمي.

وقد بلغ التعريب أوجه في عصر العباسيين الذين يرغبون المعربين الخبراء بالهدايا الثمينة والعطايا الوافرة حتى أوجدوا هيئة مقتدرة من فطاحل الكتاب كآل بختيشوع السريانيين وآل حنين بن إسحاق العبادي احد نصارى الحيرة وابن المقفع الفارسي، وابن دهن الهندي وابن وحشية وغيرهم من الذين كابدوا المشاق في إعداد واختيار العلوم الإسلامية من مزيج الثقافات المختلفة، وأدخلوا الاصطلاحات الإدارية ونوعوا الألفاظ العلمية العربية حسب الأسماء والمسميات التي لم تكن تعرف في العربية في عهودها الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت