فهرس الكتاب

الصفحة 1901 من 5287

فالمنصور العباسي الذي يهمه بناء دولة إسلامية قوية وجد أن السبيل الوحيد هو امتداد ما قام به بعض الأمويين وقوادهم من تعريب العلوم التي لابد منها لبناء الحضارة العباسية على أسس متينة، فكان شديد الاهتمام بترجمة العلوم ونقلها إلى العربية وخاصة علم النجوم والطب، كما أن المجهودات التي بذلها كل من الرشيد والمأمون في ميدان التعريب لا تنكر، فبفضلهما استطاعت اللغة العربية أن تجمع وتطبع الفرس وحضارتهم بطباعها الخاص.

وبعد فهذه جهود الأمويين والعباسيين في ميدان التعريب في العصور الذهبية من تاريخ الإسلام، شقناها كحقيقة تاريخية لتحفز شبابنا إلى تعريب العلوم المختلفة وترجمتها ونقلها إلى اللغة العربة، اقتداء بإخوانهم في البلاد العربية الشقيقة، فعلى كواهلهم تقع مسؤولية تحرير اللغة العربية من السيطرة الأجنبية، وهم وحدهم الذين يتحملون أمام التاريخ مسؤولية كل تأخير في تعريب الإدارات وتطهيرها من السيطرة الأجنبية، على أننا لا ننكر ضرورة وجود الفنيين الحقيقيين الذين تستخدمهم الدولة المتحررة على تحرير ثقافتها وتقاليدها ولغتها من الدولة الراحلة، إذا هم يعلمون بحق في سبيل هذا التحرير بجد وإخلاص ولكن الذي ننكره ونستغربه هو أن نرى جماعة من الفرنسيين وأذنابهم سبق لها أن حاربت واستهزأت ومكرت، تواصل اليوم نفس عملها بالأمس ضد اللغة والقومية في جو كله حرية وتشجيع.

وننكر أن تلتهم هذه الجماعة باستمرار ميزانية الدولة باسم الفن ولا فن هناك، إذ الفنيون الحقيقيون هم الذين يتقنون كلتا اللغتين العربية والفرنسة ثم استخدموا لتعريب الإدارات وترجمة مصالحها من الفرنسية إلى العربية، أما الذين تركهم العهد البائد في وظائف احتلوها، ثم رغبناهم نحن اليوم بوسائل مختلفة وتشجيعات مادية أدبية في البقاء في تلك الوظائف وبنفس اللغة التي يخدمون بها سابقا، فهم في الواقع ممثلو احتلال لغوي دائم ومخالف للاحتلال السياسي الزائل من حيث قبوله والرضا عنه.

إن الشعب يريد إتباع سياسة جريئة تجاه التعريب، إنه يريد تعريب الإدارات أولا وبكيفية تدريجية، وتعريب التعليم ثانيا وبكيفية تدريجية أيضا، أنه يريد أن يحرر لغته بنفس الحماس الذي حرر به سيادته، يريد أن يحرر لغته مهما كلفه ذلك من ثمن، فقد ضجر من هذا التفرنس الذي يطغى يوما بعد يوم في جميع الميادين والمصالح، في الوقت الذي يتحدث فيه حتى عن إسرائيل بأنها عبرنت التعليم الابتدائي كدويلة تحاول أن تفرض بقاءها وخلودها في التاريخ، ضجر من التعليم الذي أصبح أخيرا بسير نحو التفرنس بعدما كان يسير نحو التعريب.

وغن الشعب المغربي المتطلع إلى تحرير جميع مظاهره القومية لينتظر اليوم من حكومة صاحب الجلالة نصره الله أن تحرر الشعب من السيطرة اللغوية، وتفصل اللغة العربية عن اللغة الفرنسية بعد اتخاذ التدابير اللازمة، إذ ذاك يستطيع التاريخ أن يعيد نفسه، ونصرح أمام الجماهير بمثل ما صرح به في ظروف مماثلة لظروفنا سرحون كاتب عبد الملك بن مروان لكتاب الروم بعدما انتهى سليمان ابن سعيد وإليه على الأردن من تعريب ديوان الشام إذ قال لهم: أطلبوا العيش في غير هذه الصناعة، فقد قطعها الله عليكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت